‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات المعتقلين السياسيين. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يناير 2020

في 15 يناير 2020// المعتقلين السياسيين عبد النبي ومصطفى شعول// "وداعا با شعول ... لن ننساك أبدا"


في 15 يناير 2020
السجن المحلي عين عائشة تاونات
المعتقلين السياسيين عبد النبي ومصطفى شعول

"وداعا با شعول ... لن ننساك أبدا"


فقدت عائلة شعول يوم السبت 11 يناير 2020، أحد رجالها، وهو الأب السيد أحمد بن عبد الله شعول، من مواليد 1944، بعد صراع طويل مع المرض والفقر وتعاسة القدر، حيث قاوم إلى آخر ليلة من أيامه بكل ما أوتي من صبر الفلاحين وتحديهم لظروف الجغرافية القاسية وشغفهم بالأرض والحياة الخضراء.
الأب الراحل واحد من ملايين الناس البسطاء والمهمشين، يعيشون شظف الحياة، عندما يموتون لا يعلم أحد بخبر رحيلهم الصامت، ولا يعلم احد كيف عاشوا ولا كيف ومتى رحلوا... محكوم عليهم طبقيا أن يأتوا إلى الدنيا في صمت، ويقضون حياتهم كسكان كهف أفلاطون، ويذهبون إلى مثواهم الأخير دون جرس يقرع في الإعلام الممول من عرق جبينهم، ولا نعي يذاع، لا أولى ولا ثانية... ولا عاشرة تنقل مراسيم عزاء ودفن الفقراء، وتوصل مظاهر وصور العزلة والهشاشة التي يرزح تحتها سكان المنطقة التي ينحدر منها الراحل وأمثاله، هناك حيث تتساقط الأقنعة وتتبخر كل شعارات "التنمية البشرية وتقريب الخدمات الصحية والتعليمية" من البشر، وغيرها من المخدرات اللغوية والمؤثرات الصوتية التي تنكشف وتنسف من الأساس، وطبعا لو تناقلت الكاميرا صور الحدث الأليم، ستظهر وجوه المشيعين الذين تقاطروا إلى مسقط رأس الفقيد ليقدموا واجب العزاء ولمواساة العائلة المكلومة، كان الرأي العام سيعلم بغياب وجهين من الوجوه الحاضرة، وهما مصطفى وعبد النبي ابنا الفقيد المعتقلين السياسيين المتواجدين بسجن عين عايشة بتاونات، وسيطرح السؤال، ألم يكن من الواجب الإنساني والأخلاقي السماح لهما بحضور جنازة أبيهم والنظر في وجهه نظرة الوداع الأخير، لماذا حرموا من معاينة جسد أبيهم وهو يدفن تحت الأرض ويرحل إلى الأبد، ومن إهالة التراب فوق جثمانه الطاهر، لماذا حرمونا من معايشة هذه اللحظة التاريخية في حياتنا، أحتى في الجنائز تقف السياسة عبء ثقيل وتنتصر على الأخلاق والإنسانية والدين؟؟
أبينا لم يكن من المشاهير لا في الإقتصاد ولا السياسة ولا الفن كي ينال فسحة من الإنارة الإعلامية ويذاع خبر نعيه بين القبائل والأمم، لم يكن أميرا ولا وزيرا، لا قابوسا ولا كابوسا كي تنكس من أجله الأعلام وتقرع الأجراس وأيام حداد وعطل وتعطيل، لم يكن لصا لأموال الشعب ولا سارقا لأرزاقه ولا قاطعا لأعناق أبنائه ولا قامعا لأحلامهم وطموحاتهم في العيش الكريم، أبينا كان رجلا ضعيف الحال، فلاحا فقيرا، نظيف اليد والقلب، يمشي جنب الحيط، كما يقال، لم يتذوق حلاوة السلطة ولا شرف المعارضة، كان همه الوحيد أن يضمن لقمة الخبز لأبنائه في أرض مصرة أن تبقى في عصر الحجر، كان همه أيضا كما نتذكر أن يضمن لأبنائه مقاعد في حجرات المدرسة البعيدة عن منزلنا، حيث نتذكر بحرقة وحنين كيف قادنا الراحل إلى المدرسة لأول مرة في حياتنا في زمن كانت الأمية هي القاعدة في تلك المنطقة الجبلية المنسية، كان الفقيد يعمل ليل نهار كي يضمن عيشا محترما لأبنائه، كان مثل جبل تتكسر فوق قمته هموم الحياة وقساوة الجغرافيا وظلم التاريخ.
ازدادت حالته سوءا عند اعتقالنا سنة 2014، وتداعيات المحاكمات والأحكام الجائرة في حقنا، ورغم الفاجعة وطبيعة الاتهامات والقيل والقال ومظاهر الإرهاب التي مورست عليه وعلى العائلة حينذاك، رفض الإنصياع لتعليمات وأوامر بقايا الإقطاع وضغوطاتهم وتهديداتهم، متشبتا ببراءتنا، مؤمنا إيمانا راسخا بأننا تعرضنا للتآمر والظلم المشهود، ومع مرور الأيام والسنوات القليلة، تعرض بدوره للإعتقال (26 ماي 2017) جراء شكاية كيدية وانتقامية كان بطلها مرة أخرى أزلام "السلطة المحلية" السيئين الذكر، وبدون تحقيق ولا دليل، قررت "النيابة العامة" بتاونات في شخص احد نوابها لا داعي لتخليد اسمه مع الشرفاء، الأمر بالإيداع في السجن المحلي بتاونات، رفقة أبنائه، كانت أياما عصيبة قضيناها معا، فكان ردنا بإضراب مفتوح عن الطعام إلى غاية تبرئة أبينا المعتقل، وهو المطلب الذي ناله بعد 15 يوما من الإعتقال الإنتقامي الذي سيظل يقض مضاجع العصابة التي خططت لهذه المأساة، والذي راح ضحيتها ظلما وعدوانا شخص بريء وصل من الكبر عتيا، لا يستطيع الحركة ولا الإبصار. وهنا نتذكر أن هذا الرجل الذي رحل عنا استطاع أن ينال تعاطفا كبيرا في صفوف السجناء وحتى حراس السجن، الذين عاملوه بلطف واحترام، وطيلة مدة اعتقاله كان يفتقد لنظاراته التي تكسرت بمقر "الدرك بقرية با محمد"، حيث كان يتحرك متكئا على كتف سجين أو حارس سجن... سوء ظروفه الصحية وانعدام أدلة إدانته لم تشفع له في الحيلولة دون تذوق السجن في آخر عمره، كان قرارا سياسيا وأثبتته براءة الراحل.
لا نخفيكم حجم الآلام التي نكابدها ونسكتها بكبرياء المحاربين، فلو كان بإمكاننا ركوب أشرعة النور لهربنا على صهوتها إليكم يا أحبائنا، يا رفاقنا وأصدقاءنا، لنقبل الراحل قبلة الوداع الأخير لفعلنا، فاعذرونا، نحن قصت أجنحتنا، وسدت في وجوهنا أبواب الزنازن، وكل شيء هنا بتخطيط، حتى الأشياء التي يعتبرونا "إنسانية" و"يسمحون" بها يترقبون منها الضعف الإنساني.
لا نخفيكم حجم الحنين والشوق الذي يجتاحنا حين يحضرنا في هذه اللحظات الخاصة وجه أبينا الراحل بعمامته البيضاء ولحيته البيضاء أيضا والإبتسامة لا تخطئ عيونه، وكأنه قنديلا يضيء ظلمتنا، ويدفئ برودة الزنازن، نتذكر قبلاته لنا في الزيارة التي يسمح بها لدقائق تجتمع فيها قلوبنا تحت المراقبة المشددة، نحس فيها بحرارة الحب الأبدي الذي لا يفنى في أعماقه، نعم، يا أحباءنا، نعرف ما معنى أن نفاتحكم في أحاسيسنا، لو نستطيع أن نخترق هذه الأسوار ونرسو على موانئ حزنكم لفعلنا ولاستوطنا حلمكم كالشمس في الربيع.
الموت، في ثقافة شعبنا وعاداته، دوما على وجه السلب، من حيث هي نهاية وجود قاسية ومأساوية في حياة الإنسان : كل حي إلى الموت ذهابه، من هذا المنطلق، سنقول لعائلة الراحل وأبنائه وخاصة أحفاده الرائعين، اغرسوا اسم الفقيد وحبه وحنانه في ذاكرتكم كرمز حي لعزة النفس وكرامتها، ومثالا للأب الشعلة المتقدة التي تبعث الأمل في أغصان شجرته، ستكبرون يوما وستفتخرون بجدكم صاحب العكاز الخشبي المصنوع من شجرة الزيتون، وستجعلون من قبره الطاهر محجا لكم كلما حلت ذكرى رحيله وكل واحد منكم آنذاك سيرثيه بطريقته الخاصة.
ارقد في سلام با شعول، الحرية لأبنائك، والنصر لذريتك ولذرية الفقراء، وسلام عليك في مرقدك الطاهر وإلى الأبد.

المعتقلين السياسيين للنهج الديمقراطي القاعدي// تعزية


المعتقلين السياسيين للنهج الديمقراطي القاعدي
تعزية

بقلوب يعتصرها الألم، ألم فراق أب مناضل واصل المشوار إلى جانب فلذات كبديه رفيقينا مصطفى وعبد النبي شعول، تحمل الأعباء والمشاق مربيا ومتنقلا بين مختلف المحاكم والزنازن مساندا ومدعما لإبنيه، استقبلنا الخبر الفاجعة والصادم كيف لا يكون كذلك ونحن من تشاركنا وإياه الكثير من الأحداث بل وحتى التفاصيل الصغيرة أثناء الزيارات وداخل محاكم النظام القائم والأحكام القاسية التي وزعت علينا.
إن الفراق الأبدي للأب المناضل هو لنا جميعا كمعتقلين سياسيين وإن المعاناة التي رافقته هي الأخرى لنا جميعا، ألم عدم إلقاء النظرة الأخيرة وقبلة الوداع على جباه الأب القدوة.
رفيقينا عبد النبي ومصطفى إننا نحس بآلامكم، ونعلم كيف هي نفسياتكم وأنتم تقاومون سنوات السجن الطوال والوداع الأبدي لفخركم ولمن لقنكم مبادئ الدفاع عن الحق كما نعلم ونحن من عايشناكم كثيرا ماذا يعني لكما الأب. رفيقينا فكما نعلم حجم المعانات والآهات فإننا نعلم كذلك طينة معدنكم ومنسوب قناعتكم لذا فلن  يراودنا الشك أبدا في أنكما قادران على المواجهة بل ومساندة تلك الأم المناضلة الأم الحنون.
ختاما نقول طريقنا لازال طويلا وفي مطباته ومنعرجاته قد نفقد الكثير من الأحباء وهذا قانون طبيعي لكن حتما سنظل مخلصين للمبادئ التي تعاهدنا عليها والدرب الذي أقسمنا أن نمضي فيه مهما كانت الضريبة ومهما كان الثمن .

الجمعة، 6 سبتمبر 2019

السجن المحلي بتازة المغرب// المعتقل السياسي : قاسم بن عز// رقم الاعتقال :76635// في ذكرى الوطنيين الحقيقيين شهداء النهج الديمقراطي القاعدي ما بين غشت 1984 وغشت 2014.

السجن المحلي بتازة المغرب
المعتقل السياسي : قاسم بن عز
رقم الاعتقال :76635
في ذكرى الوطنيين الحقيقيين
شهداء النهج الديمقراطي القاعدي ما بين غشت 1984 وغشت 2014 


في غياب التعبير السياسي الجدير حقا والقادر فعلا على قيادة التناحر الطبقي الدائر داخل المجتمع إلى آفاق فاصلة واستجلاء أقطابه وميادينه و الأشكال التي يسير بها ويتطور والتصورات المنبثقة عنها ودرجة تأثير وقوة كل واحد منها في الواقع المغربي، يتموقع داخل هذه العملية ،يساير نموها ويحضر في مجمل متغيراتها و منعرجاتها في أوجها و خفوتها ، حتى يتفادى السير في ذيلها ويتجنب التخلف عن ركبها الآخذ في التطور، تتسابق أدوات النظام المختصة والملتفين حوله بحماس شديد إلى الدعاية للنموذج المغربي "المنفرد"و"المستقر" الواقف في وجه العواصف و التغيرات ،و التلويح بكونه الشكل السرمدي الذي سيقف عنده التاريخ ،في عنادٍ بليد يسخر منه التاريخ نفسه ،فصحيح أن النضال الطبقي قد يصيبه بعض الجفاء وتحكم عليه سياقات متعددة الأوجه وظروف ناتجة عن أسباب مختلفة كالتي أشرنا إليها للتو ،أن يسير بشكل لا يرقى إلى مستويات يمكن على إثرها أن يجري بأشكال سافرة و مكشوفة للجميع ،تؤدي إلى انفجارات يترتب عنها إحداث أوضاع جديدة، نوعية .
لكن الجماهير المتعبة كما هو مؤكد، تشق طريقها دوماً مخلفة الماضي الأليم وراءها دون رحمة ، مكنسة مختلف الأذرع المتعفنة التي خنقتها و طوقت أعناقها ..،ولو أمْعَنَّا النظر حولنا بعيداً عن الاستسلام الخرافي للرؤى السطحية للواقع ،سنرى أن خروجها في الظرف الراهن ينطوي على أشياء عظيمة وهي التي تكتسح الشوارع بامتداد متزايد ونفس نضالي كسر معه كل الحواجز العتيقة و الطروحات المهزومة ، في تحول ينم عن عهد جديد من أساليب النضال بمطالب واضحة تعكس محتوى تحرريا وتبدع في خضمه الجماهير أدوات مقاومتها وانتظامها سعياً وراء بديل مجتمعي يهدف إلى التخلص من ظروف وجودها الاجتماعية المتخلفة فذلك ما يتشكل من خلال كل سلوك تقوم به بما يحمله من بذور يستثمر حتماً إجابات ترقى إلى هذا المسعى ،وستهدم كل ما سيقف في طريق مسيرتها المظفرة ، فلم يعد بإمكان الأدوات الإيديولوجية مهما تغطرست تزييف جذور بؤسها لقد ابتذل ذلك الشرطي الذي يطل ببزته المدنية من داخل التلفاز ،لقد انهار سلطان المحراب مهما كان مبلغ الحماسة والخنوع المصطنع الذي يلقي به طلاسمه ،وترانيمه لم تعد تطرب مسامع حتى ذوي المشاعر المرهفة هي تضحيات لا توصف تقدم من أجل الإنسان و قضاياه المشروعة ، و إصرار من لدن الجماهير المحرومة التي تأبى إلا أن تواصل طريقها قدماً مهما كان حجم الانكسارات و بقطع النظر عن توالي الإخفاقات و النزوع نحو المساومة و الخيانة من طرف قوى وضعت فيها الجماهير ثقتها ، قبل أن تبين عن عجز تصوراتها في استيعاب طموح الجماهير و تلاشي أفقها السياسي المحدود في مجارات التحولات الحاصلة ، ما يترتب عنه من شتات ، و الركض وراء المصالح الضيقة و المنافع الحزبية ، الذي يفسح المجال واسعاً أمام انتشار التصورات الرجعية والعدمية البعيدة عن هموم الشعب ، الذي يتسم به الظرف الراهن ، كنتيجة لضحالة إن لم نقل غياب أدوات المقاومة الفعلية القادرة على معانقة الطموح الحقيقي للجماهير وطرح الحلول دام الأمر يكاد يصبح قاعدة عند المعنيين بهذا القول ، الذين لا يصيبهم أدنى حرج لما يكتفون بدور المتفرج أو في أفضل الأحوال ، الوقوف موقف المناضل الخجول ، عندما يتعلق الأمر بمعانقة التحولات المجتمعية الحاصلة ، رغم أنه يمكن ملامستها في كل قطاع ، في كل ميدان في كل جبهة من جبهات الصراع ، يجب قول الحقيقة المرة للجماهير بكل بساطة ووضوح وبلا لبس ولا إبهام ..[1] يجب الإقرار بهذا الواقع المؤسف ، أننا نعجز عن مجارات إيقاعها المتصاعد نعجز عن مد يد المساعدة لها ، ونحن من يعتنق إيديولوجيتها ونحمل همومها ، نتبنى تصوراً يعكس طموحها و آمالها ، تصور لو شرحت كل جانب من جوانبه كل عنصر من عناصره لوجدته يعكس فعلا طموح وانشغالات الفلاحين و العمال والشباب و النساء..., و الجواب الفاصل من أجل الارتقاء بظروف حياتهم المادية بشتى أبعادها , إننا نعجز و الحق يقال عن الهبوط بكل هذا من السماء إلى الأرض.
في الجهة المقابلة , وهذا واقع الحال , يكون النظام أول من يلتقط الإشارات و يقدر التحولات الحاصلة حق قدرها , ليست تلك المعبر عنها بأشكال صريحة و إنما أيضا التي تعتمل داخل المجتمع بأشكال مستترة و خفية، ومن شأن تراكمها إحداث رجة في بنية النظام التقليدية وكل مخلفاتها , فهو يعلم أكثر من غيره أن مسعاها لا يمكن أن يفضي إلا إلى زواله و انهياره لقد التف النظام عن كل هذا ، وألقى بشباكه الواسع المدعم بأدوات لقيطة من أحزاب مرتزقة وإعلام و رجال دين ، وفن و جمعيات..، تتغنى بأنشودة واحدة ووحيدة ، ترقص ببلاهة على إيقاع يمنع عليها الميل عن نسقه بحيث يهيمن عبر هذه الجوقة المنحرفة على كل مظاهر حياة الشعب من أشدها شأنا إلى أبسطها ومما قد يعتبره البعض تافها،  يعتبره ذا شأن ينبغي احتواء ، وعدم ترك أي شيء للصدفة أو المباغتة .
كيف لا ونحن نعيش في فترة أصبح فيها المنتسبين إلى هذا المعسكر ينبتون كالفطر، مستعدين لقول كل شيء، لا يتوانوا في إبداء الحماس المفرط كلما تلقوا إشارة القصف " للدفاع عن الوطن " ورجم أعدائه المفترضين ! حتى وإن كان لا هم لهم سوى بناء وطن حقيقي يتسع لجميع أبنائه و بناته، هم من يصف كل من لا يتناغم مع الإيقاع الرسمي بالعدميين و الانفصاليين في حين يتغاضون عن الانفصاليين الحقيقيين الذين يضعون البشر، و الأرض بسطحها، و جوفها رهن المراكز المالية العالمية، و قد تابعنا جميعا، كيف صارت الأنغام خلف كلمة السحر التي ابدعها النظام /الانفصال!! كما عجزت عن تفكيك و كسر انتفاضة الريف، و كيف التقت أحزاب عديدة حول هذا الشعار ضد المنتفضين، وانطلقت في اختراع الأشباح الممسوخة لبث الهلع في صفوف كل من سولت له نفسه مجرد التعاطف و التأييد "شبح سوريا و ليبيا..." و دعت الجميع إلى الابتهال و رفع اكف الضراعة إلى القدير لينعم علينا و عليهم بهبة الاستقرار و الطمأنينة، ولسان الحال يرد التهمة الجاهزة"أعداء الوطن، دعاة الفتنة" بينما يتم الرفع من درجة التأهب إلى مداها الأقصى، و تطلق صافرات الإنذار في صفوف هذا النفر اللذوذ عن سوق المصالح الطبقية المحصنة بأشد الأساليب خسة و اكبر الكيانات سفالة.
هكذا ولمسخرة التاريخ تعتلي القلنسوة الكهنوتية المشهد، حاملة معها مخلفات العصور الغابرة بماضيها المظلم، التي تحن إلى سيطرة السيف و الخرافة على مختلف مفاصل المجتمع، و كل ما هو مشرق فيه، لتوطئة الطريق أمام مشروعهم التكفيري المفعم بالكراهية و التطرف و المعادي للعقل و الإنسان ككل، بعد حرب طويلة من الاستنزاف تهيأت خلالها الشروط أمام القوى الظلامية، لتنتصب بسحنات جهابذتها المتهجمة مستعرضة بشكل ملفت جوانب من تاريخ نشأتها المشبوه، و تكشف بجلاء لا نظير له عن احترافيتها المستمدة من أصول "التنظيم العالمي للإخوان المسلمين". فبعد ان ظلت لعقود تمارس المكر و الخداع و الانتشار ممتطية صهوة" الدين"و تقديم نفسهم كمخلصين و مدافعين عن العباد و العقيدة، تم تلقينهم على إثرها قواعد اللعبة و ما تستدعيه فنونها من أجل القيام بأدوارهم على أكمل وجه، لا سيما في الظروف الحرجة تمهيدا لإدخالهم فعلاً دائرة المدافعين الشرسين عن مصالح طبقية تتقاطع مع مشروعهم الرجعي، ما أبانوا عنه حقا طيلة سبع سنوات من إسناد المهمة لهم رسميا، ربما بشكل فاق كل التوقعات-في استعداد مطلق لإغراق الجميع في وحل البؤس مقابل نيل الرضي و التبريك - اعتقد ان لا حاجة للإسهاب في الكشف عن ذالك إذا أصبح واقع الحال يتحدث بنفسه و لم يعد يخفي عن ابسط فلاح غارق في هموم قطعته الأرضية المنكوبة داخل قرية نائية، بل حتى المخدوعين بشعائرهم و تقواهم يدركون اليوم حقيقة القناع الذي ارتدوه، لما كانوا في ردهات المعارضة المزيفة يكسبون ما يكفيهم من الشرعية لكي يوظفوها للرفع من قيمة أسهم الاسترزاق على تضحيات الكادحين، بعدما اعتقدوا أنهم حسموا في شأن أن الشرعية الدينية التي حصروها تند جماعتهم، مع ما يمكن أن توفره من غذاء لا ينضب و قاعدة واسعة لتطعيم هذه الجماعة، تتيح إمكانية استغلالها كلما أملت شروط المساومة ذلك، لمواصلة طموحهم الإجرامي الذي يفصحون من خلاله عن عداوتهم الشديدة للشعب المغربي، كونهم على قناعة تامة ان طموحه نحو الالتحاق بركب الحياة و سعيه الدائم للتخلص مما هو قديم، طرحه جانبا بلا هوادة لن يترك اي حيز و أدنى إمكانية "لقوميتهم" البائدة، و ستنهار سلفيتهم التي يمجدون من خلالها كل ما يبعث على الاحتقار في العصر الحالي، كما ستنهار شرعيتهم الدينية التي تحصلوا كما قلنا على إثرها الدعم التصفيق. لذا فهم لم يتوقفوا عن حدود ما ارتكبوه من تخريب و تدمير، يسارعون الزمن لامتصاص أكبر كمية من دماء المغاربة إرضاء لمصالح الرأسمال، و في وسعنا ان نضعهم سبب استنفار قواعدهم لتبرير كل سياسة تناقض مصالح الشعب، و شدة دفاعهم عن النظام سعيا وراء الشرعية المؤسساتية لما يمكن أن تشكله في اعتقادهم من سند يحميهم من لسعات الشارع الذي فقدوا إزاءه اخر ذرة شرف تملكوها عن طريق الاحتيال في فترة من الفترات، بعدما انكشف موقعهم ضمن معادلة الصراع الذي اصطفوا من خلاله إلى النقيض المستغل و الانحياز المكشوف إلى السهر على مصالحه، و إن كانوا قد عملوا جاهدا لإخفاء هذه الحقيقة، بالانخراط في لعبة اقتسام الأدوار التي تحولت إلى ركن من أركان إيمانهم، مروجين على أوسع نطاق أن الله أرسلهم مباركين إلى الأرض من أجل خدمة العباد و نشر الرسالة!! حتى أضحى شخص منحل مثل بنكران يجرب أكثر من وصفة، ليبقي نفسه محل عيسى عند المسيحيين يستعرض مناقبه و ما يتعرض له من ظلم و عذاب بينما حفنة من الجهل من أتباعه يبشرون بعودته الميمونة لتخليص المغاربة من المعاناة و نشر السلام و الوفاء في أرجاء المعمور، محاولين التغطية على مسلسل من الجرائم قاده و نفره السيئ الذكر في حق الشعب المغربي و لهول جبنهم لا يمكن التنبؤ بأشكال الدفاع هذا، حيث يتخذ أوجها عدة حسب نوعية "الخطر" و مصدر "التهديد" لتظل آلة المستهدفين مشغلة لالتهام كل ممن يتقاسم معهم نفس المرجعية، و مبرمجة على هذا النحو تحسبا لمزيد من الخارجين عن الصراط المستقيم.
 لم يستثنى القاعديين بطبيعة الحال من خارطة المشمولين بتصنيفهم ضمن قائمة الأعداء، رغم ان هذا التصنيف لا يبعث على شيء جديد يندرج ضمن المعجزات لأن القاعديون ببساطة أعلنوا عن اصطفافهم الفكري و السياسي إلى النقيض الشعبي الذي يصنفون على إثره ضمن "الأعداء" من طرف هؤلاء المرتزقة فقط، يحصل الاختلاف في من سيدق جرس الإنذار، بين هذه الفترة أو تلك لبدأ مهمة "الخطر" و إن كانت العملية قد أوقعت الاختيار على القوى الظلامية التي تقتنص ظروفا بعينها تتلقى فيها جميع أشكال الدعم المادي، و السياسي، و اللوجيستيكي) كما هو الحال دائماً، منذ ان قادت حملات اكتساح الجامعة لاغتيال المناضلين و تجفيف ما أطلق عليه الخطر الأحمر، و إذا أخذنا علما ان محور هذه العملية المتمثل في استئصال القيادة العملية والسياسية للحركة الطلابية، قد فشل أمام استمرار القاعديين في انجاز مهامهم و وقوفهم المشهود في وجه الإرهاب و التقتيل، فإن المشروع الاستئصالي لازال يجرب وصفات متنوعة مع الرهان مرة أخرى على نفس القوى لاستدراك فشلها المحتوم مرة أخرى، لذا نفهم سبب الصياح الحميري لشخص عديم الحياء مثل بنكران الذي يعتبر عند أهل جماعته في عداد " الأقطاب"!، عندما لم يجد بدا من التذكير بالخطر القادم من عند القاعديين، لما يشكلونه من تهديد على " الملكية و الوحدة الترابية و الملة و الدين "[2]
ولأنه يعرف القاعديين جيدا لم يتجرأ على وصفنا بأعداء الشعب، لعلمه المسبق في قرار نفسه الأمارة بالسوء أن انحياز القاعديين للشعب واضح لا هراء فيه، قدم من أجله المناضلين حياتهم، ولازلنا نقضي بذلك سنوات من عمرنا خلف القضبان، في انسجام أوثق بما لا يقاس، ما بين أقوالنا و أفعالنا ولم نكن أبدا من عشاق اللغو، ننتج خطابا لا صدق فيه سوى اجتذاب الناس و اعتبارهم مجرد وسيلة لبلوغ أهداف خسيسة و دمى سيستعان بها لترويج نجاح المسرحيات الرديئة.
 وحقيقة الأمر، فلسنا وحدنا من يصنف في هذه الدائرة المرسومة على المقاس، وإنما نجد فيها كل من يحمل في يده مشعلا يضيء به الظلام الذي يودون إطالة أمده. فمشروع استئصال القاعديين و استهدافهم يقع ضمن ترتيبات القوى الظلامية و مراميها بنفس الشكل الذي يسعى النظام إليه، وهنا يظهر أمامنا أن التصنيف أعلاه، يكمن أساسه في كون الصراع ليس بين هذين القطبين المتحالفين، و القاعديين وحسب و إنما هو في جوهر الأمر صراع بين مشروعين متضادين ، مشروع يمثلونه يهدف إلى تكريس نفس البنيان و خلق واقع مجتمعي تسوده علاقات اجتماعية متقدمة ذات أبعاد لا طبقية ،و مشروع القاعدين هم جزء منه يهدف إلى هدم نفس البنيان ،وخلق واقع مجتمعي متقدم ،و بالتالي فمهما بدا الشكل الذي يتخذه هذا الصراع و المدان الذي يدور فيه فانه يعكس التناقض الذي يحكم المشروعين و السعي الدءوب لكل واحد منهما إلى تحطيم الأخر ،و ان كان في واقع اختلال موازين القوى بفعل عوامل متداخلة مورفة على الأرجح ، توالي الضربات تجاه أنصار المشروع المجتمعي البديل و حصار كل تعبير سياسي له أمر في غاية الوضوح،أتذكر أن جملة ما قلناه مباشرة بعد مؤامرة 24 ابريل 2014، إن التأمر على القاعديين ما هو إلا حلقة متقدمة ضمن مسلسل استهداف قوى الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، و لم نكن نتطلع أذاك إلى حشد المتعاطفين لقضيتنا.
على هذا الأساس نفهم طبيعة وسلوك القوى الظلامية التي لعبت دور المنفذ لمخطط استئصال القاعديين،مؤامرة 24 ابريل على سبيل المثال لا الحصر ، إلا أن التسليم بكون الأمر يقع في حدود "الصراع الطلابي" ،حول تثبيت الوجود داخل الجامعة، قراءة تبعث على الازدراء، فاقدة لأي تحليل جدي وعميق، خاصة من لدن من أقحم قسرا في كرونولوجيا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بدعة اعتبار"التعبير الطلابي" لهاته القوى مكونا من مكوناته-منذ أن بدأ نشر وباء اسمه "الطلبة الإسلاميين" في الجامعة رغم أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم يفصح في أي مؤتمر من مؤتمراته عن هذه البدعة المفترضة و لم يكن ليعتبر كذلك من يخالف في بنيته التنظيمية و "الفكرية" و السياسية مبادئه الأساسية.
 لا انوي هنا بحث اهدال تعبيد الطريق أمام القوى الظلامية لإقحام الجامعة لكن أجيز لنفسي الإشارة الى أن ذلك لا يخرج عن نطاق كبح المد الواسع للمشروع التحرري بالنظر الى الدور المهم الذي كانت تضطلع به (الجامعة) و الحركة الطلابية في إطار توسيع هذا المد و تثمين الارتباط التاريخي من الشارع، اذ أن ظهور هذه القوى بأهداف محددة يعد استكمال لرهان احتواء الحركة الطلابية إلى صفه بغية كسر وفك ارتباطها بالحركة الجماهيرية، و إفراغه من بعده التحرري الذي دافع عنه القاعديين و أصبح منذ ذلك الوقت يحدد سلوكهم العملي و السياسي، و الذي سعى النظام إلى خنقه من خلال الحظر متعدد التجليات، هنا بالذات ينبغي أن نبحث عن خلفيات و دوافع توظيف هذه القوى لترجمة مشروع هي جزء منه، هنا وليس في مكان آخر علينا أن نفهم لما يتركز الهجوم على القاعديين و تتعدد أشكاله،أما اختلاق الروايات الإنشائية و اتهامهم بالعنف و غيرها من السخافات فقد أصبحت تكتسب متانة الوهم، و لا يسعنا إلا أن نحتقر من يقف ورائها و اعتبارهم في عداد عديمي الشأن.
 الجواب سنستقيه من الواقع الملموس لا من مخيلتنا، لأنه المرجع الثابت الذي يؤكد صدق الأقوال و إثبات جدارة أصحابها إيمانا من القاعديين أن الاستناد إلى منطلقات ترسم أمام الإنسان المستغل طبعا السبيل نحو التحرر، و قدرته على ذلك، أن تصبح قضية كلامية بحثه، إذ ما تتجسد في الممارسة العملية لإثبات واقعيتها و مدى قوتها و شموليتها[3]،عبر تصورات سياسية لا تقدس أي نموذج أو تحاكي تجربة معينة مهما خلدها التاريخ) دون استبعاد إمكانية الاستفادة منها في جانب أو أكثر..) و برامج للنضال حقيقية قادرة على كسب الرهانات و رفع مختلف التحديات المطروحة، و هو الأمر الذي جسده القاعديين وفق ممارسة نضالية و سياسية تتفق مع التصور الذي يتبنونه و البرنامج المتصل به و يحصل أن تبقى هذه الممارسة ذات أفق محدود اذ لم تتسلح بخيار ترسيخ و تقوية الارتباط بالجماهير الشعبية و الالتحام بقضاياها المصيرية، بحيث تقطع الطريق مع كل أشكال الحربائية، و اختلاق التكتيكات المهزومة لدن اشد الظرفيات تعقيدا التي تكون كافية لوضع النضال الطبقي محط "مناقشة" و "تقييم" تتولد عنها خيارات متعددة بذرائع و خلفيات تختلف حسب طبيعة من يعتنقها، لعل تاريخ القاعديين يتحدث عن نفسه و سيكون من باب العبث، انتقاء محطة دون أخرى أو استحضار هذه الفترة أو تلك للدلالة عن تشبثهم بالخيار المرسوم بالرغم من تنوع أساليب التأمر الممارس ضدهم على مر هذا التاريخ المتشرف الذي بصموا صفحاته بإخلاصهم و دمائهم من أجل الارتقاء بهذا الخيار و إعطائه معنى واقعيا منفردا يعزز فرص التنزيل السليم لتصورهم السياسي العام، ويكفي ان نلقي نظرة، و إن بقليل من التجرد على وضع الحركة الطلابية في مواقع تواجد القاعديين و التراكمات المهمة و التجارب الغنية المحققة بفعل الطابع النضالي الذي يعطونه لنضالاتهم لكي يفهم فحوى كل منا، و هم بذلك لا يدعون أن كل شيء سيتم بهم و لوحدهم، اذ يبقى طموحهم في تجاوز الوضع الحالي للحركة الجماهيرية حاضرا، ليس في أحلامهم و حسب و إنما في سلوكهم و مبادراتهم الهادفة إلى تخصيب التربة لترجمة الرسالة الملقاة على عاتقهم.
 هكذا تأتي محطة غشت الماضية، المنظمة من طرف النهج الديمقراطي القاعدي إلى جانب عائلة الشهيد لتخليد شهدائه، كنقطة بالغة الأهمية في نفس السياق المشار، تتبوأ الصدارة في المشهد النضالي الى جانب محطات أخرى، دائما ما كانت تحظى باهتمام المناضلين/ت لما تتسم به من جدية و تعد من إضافات لا يمكن التقليل من شأنها في مضمار النضال، و قد تأتي ذكرى استشهاد رفاقنا في النهج الديمقراطي القاعدي هذا العام ضمن برنامج نضالي واحد، و مكان و زمان واحد لهما رمزيتهما بالنظر إلى الأولوية التي تكتسيها قضية شهدائنا و حضورها المنفرد في كل مناحي الفعل النضالي عند المناضلين/ت القاعديين باعتبارهم المعنيين بشكل أساس بهذه القضية و التي يلخصها الناقب و الدال لهذه المحطة النضالية، و ذلك من خلال فترات من تاريخ القاعديين و ان تباينت في الزمن، فإنها تشترك إلى حد بعيد في نفس المعطيات و السياقات، تشترك في الأرضية التي استشهد عليها رفاقنا، فالهجوم على النهج الديمقراطي القاعدي و محاولة ضرب تموقعه الطبقي و انحيازهم إلى قضايا الجماهير الطلابية و الشعبية عموما بنفس الخيار و نفس الجواب الذي قدموه طيلة هذا التاريخ، في واقع لم يكن مفروشا بالورود بقدر ما كان يتحقق في ظل انعطافات حاسمة، بلغت ارتداداتها مستويات عاصفة، ففي قلب هذه الانعطافات نفسها، تأكد حسم القاعديين لخيارهم بالرغم مما عاشوه من ظروف حالكة، سواء ما تعلق بالقمع الأسود المسلط عليهم و لا كذلك ما افرزه من انحرافات في إطار ما يمكن ان يسمى "البيروسترويكا" في صنيعتها المغربية، حيث تمجيد إيديولوجيات الإنسان الأخير و زوال صراع الطبقات في عناد لقانون حركة التاريخ الذي يلقنهم يوما بعد يوم آخر دروس عملية في انحلال أطروحات فجه، ننطلق من تجارب معينة تحكم على العملية التاريخية برمتها و تبشر بتوقفها عند حدود الانتصار النهائي للنظام الرأسمالي العالمي، مع ما أعقبها من إعلان كيانات و تشكيلات عدة نوبتها عن كل ما يتصل بالنضال الطبقي و الاعتقاد بعدم جدواه في استسلام أعمى لقوة ونفوذ هذا النظام البائد أفضى إلى تبني مواقف و تصورات مخزية، قوامها التخلي عن الجماهير و احتقار قدرتها و قوتها في حسم ميزان القوة لصالحها و قد لا نجد أفضل ما نذكر به المحيطين من اضراب هؤلاء من قول كارل ماركس "بأن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم، إنهم لا يصنعونه على هواهم، إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها و هي معطاة و منقولة لهم مباشرة من الماضي"[4]هي حقيقة مستمدة من المجرى الطبيعي للتاريخ، اقتنع بها شهدائنا، و أبان عنها الشهيد مصطفى مزياني في إطار مواصلة المسار بنفس الخيار، و هو يخوض الى جانب رفاقه و رفيقاته معركة مواجهة واحدة من أشد الضربات الموجهة للنهج الديمقراطي القاعدي، مؤامرة 24 أبريل 2014، يكفي لتبيان ذلك التقاط خيوط الكلام الذي قاله«سننتصر لأننا نسير على درب الجماهير.... سننتصر لأن الجماهير ستصنع التاريخ... » و قد كانت و الحق يقال مفصلة في تاريخ القاعديين قلبت الكثير من المعطيات المرتبطة بمخطط مدروس بعناية فائقة لاستأصلهم، و بعثرت أوراق المتربصين بالحركة الذين رقصوا فرحا بنهاية توجه استعصت معه محاولات الالتفاف عليها و احتوائها، حيث تحدى المزياني ظروف قاسية بظلامها و إرهابها المنتشر، و قاوم بمرارة طعنات الخلف الغادرة، فلم يكترث لشيء سوى رفع معنويات الطاقات القاعدية التي يحصل ان تنحط في مثل هذه الظروف، و التي كانت في حاجة لمن يرشدها و يحثها على الصمود بعد الاعتقالات الواسعة في صفوف المناضلين و الحصار المضروب عليهم في غياهب السجن، لقد كان فعلا مرشدا لهم عندما رفع قبضته الجبارة معلنا أمام المناضلات و المناضلين على أن النهج باقي و سيواصل مسيرته مهما تعددت جبهات المواجهة. أعتقد أعمق اعتقاد أن استحضار هاته الملاحم الممتدة بأسلوب يبعث الحيوية في ذكرى شهدائنا، يقطع مع قاعدة تحويلها إلى مجرد طقس مناسباتي و تقليد سنوي لا شيء يصبح فيه راسخا يكتفي في أحسن الأحوال بالوقوف على القبر و إظهار شيء من الحزن يختفي بمجرد الانصراف إلى عالم التسلية او في أفضل الأحوال القيام ببعض الأعمال خلسة نكاد نعمل بها،و يحتل المرء و هو يبحث عنها ، فانه بصدد التنقيب عن إبرة داخل سوق للمتلاشيات.
يقول ماركس في مكان ما «إني استهزئ بأولئك الناس الذين يسمون بالعمليين و ذلك بفطنتهم، فالمرء الذي يود أن يصبح بهيمة يمكنه أن يدير ظهره لألام البشرية و يهتم بشؤونه الخاصة» و قد نجح رفاقنا في النهج الديمقراطي القاعدي كسب رهان جعل محطة غشت نقطة في مسار يتواصل بالكثير من العطاء، تم التأكيد عليه قبل هذا ببضعة أشهر بشكل واضح و مكشوف للجميع، بمحطة نضالية لها وزنها تتمثل في أيام الشهيد و المعتقل  المؤطرة هي الأخرى بشعار "المقاومة و الصمود خيار تاريخي في مسار تحرر الشعب المغربي "[5]
ففي هذا الزمن الحاضر و ذاك الذي مضى سيظل ثابتا لا محيد عنه، واقتناعا لدى القاعديين لا يدخرون من خلاله جهدا في مسعاهم السير على نفس المنحى ،و انكبابهم الجدي في بحث أساليب للنضال على النحو الذي يتموقعون به فعلا في مسلسل بناء المجتمع الذي يتخذ من الإنسان المضطهد محوره المركزي و غايته النبيلة،فمن اجل هذا تعيش مسيرة شعبنا فترات تؤثثها بدمائها و تقتطع من لحمها لتبعث  فيها الحياة ، عبر مشاهد يرسمها أبطال و بطلات الشعب العظيم الذي ما ان تجاوز مأساة إلا ليعيش فصول مأساة أخرى أكثر بشاعة ، مشاهد تلخص مدى استعداد الشرفاء على استرخاص حياتهم من اجل هذا الوطن الجريح ، تأذى يحولونه إلى مسرح عظيم تنصب على مشارفه المقاصل الدموية التي يرتعش من هولها الجبناء و تدعو الأوفياء إلى أن يجعلوا منها دافعا نحو مزيد من الإخلاص و الجهد و السير على خطى هؤلاء او التصفيق لجلاديهم.   



[1] لينين:حول الصبيانية  "اليسارية"و النزعة البرجوازية الصغيرة،المختارات في ثلاث مجلدات،المجلد2، الجزء2،ص305[1]
قبل أشهر خرج الدجال بنكيران في تصريح يقصف في كل الاتجاهات، نال منه القاعديين نصيبهم من كلامه بمن فيهم معتقليهم السياسيين عندما وصفهم بأعداء الملكية و الدين..اعتقادا منه أن بيته سبمتلء  بأنصار جدد و"مجاهدين"يؤيدون كلامه، وليس المرة الأولى التي أطلقوا فيها التهديد و الوعيد،ضنا أنهم سيرغموننا على التراجع إلى الوراء ، ببضع خطب نعلم أنها أشبه ما تكون بكومة ملح تذوب بمجرد إلقائها في قدر من المرق الساخن ، و قد و ان حصل المراهق المدلل"حامي الدين"بأوداجه المنتفخة ، حضه في إضافة من هم اكبر منه إبان مؤامرة 24 ابريل حيث صرح قائلا:بيننا أي الظلام و جنوده و بينهم يقصد القاعديين المقابر"، جملة تبعث على الاندهاش عندما تسمعها لأول وهلة ، لكن بالرجوع إلى مصدرها لا يسعك سوى التماس الغدر لقائلها لضالة عقله و اتساع جبنه ، و هو من ارتعدت فرائصه بمجرد مثوله أمام المحكمة؟في بضع جلسات فراح يستغفر ما تقدم من ذنبه و يبدي استعداده للاعتذار أمام الملا على كلام قاله حول الملكية البرلمانية...ليتضح انه اراد  فقط من خلال كلامه الموجه إلى الفاعديين أن يسخر "قنديلات" حزبه و يظهر أمامهن كاب رجل حقيقي.   [2]
 راجع كارل ماركس:موضوعات حول فيور باخ،الموضوعة الثانية[3]
كارل ماركس:الثامن عشر من برومير لويس بونابرت:ص :6[4]
 أيام الشهيد و المعتقل الخامسة نظمت من طرف النهج الديمقراطي القاعدي بموقع ظهر المهراز موسم 2018/2019[5]

الأربعاء، 28 أغسطس 2019

السجن السيء الذكر: تولال 1 مكناس// المعتقل السياسي: عبد الوهاب الرمادي// في ذكرى الشهيد مصطفى مزياني: من يكرم الشهيد يتبع خطاه

السجن السيء الذكر: تولال 1 مكناس
المعتقل السياسي: عبد الوهاب الرمادي
في ذكرى الشهيد مصطفى مزياني: من يكرم الشهيد يتبع خطاه


بحلول 13 غشت من هذا العام، تحل الذكرى السنوية الخامسة لاستشهاد رفيقنا مصطفى مزياني، ونكون قد طوينا مسافة خمس سنوات على استشهاده، كانت غنية بالأحداث و المعارك الكبرى، بالنجاحات و العطاءات النضالية، وكذا بالتعثرات و الإخفاقات، تشكل أرضية خصبة لاستلهام العديد من الدروس و العبر، نرى أن أحد أهم أهداف ذكرى الشهيد تناول هذه الأرضية للإسهام في رسم آفاق المستقبل.
خمس سنوات على استشهاد المناضل القاعدي الفذ مصطفى مزياني في إطار معركة نضالية مشهودة، كانت بمثابة امتداد نضالي تاريخي لمعارك قافلة من الشهداء: سعيدة المنبهي،مولاي بوبكر الدريدي، مصطفى بلهواري، المسكيني، عبد الحق شباضة... معارك الأمعاء الفارغة المفتوحة على أفق الاستشهاد، التي لم ولن يقوى على خوض غمارها حتى النهاية إلا مناضلات و مناضلين هم من معدن الماركسيين اللينينيين، معدن القاعديين وهذا درس سياسي يؤكده التاريخ، ويسجله بمداد الفخر و الاعتزاز كلوحات خالدة من الصمود البطولي الملحمي، جسده مناضلون و مناضلات واجهوا الجلاد و الموت و صاروا نحو الشهادة بعيون مفتوحة ومعنويات عالية.
خمس سنوات مرت على اغتيال سياسي جاء كحلقة من حلقات مؤامرة 24 أبريل 2014، كمؤامرة إجرامية هدفت إلى اجتثاث النهج الديمقراطي القاعدي نفذها النظام و القوى الظلامية، بمشاركة و التفاف سياسي و إعلامي شامل ساهم فيه حتى المنتسبين زورا في صف اليسار الجذري و الثوريين المزيفين، ففي مشهد كاريكاتوري مخزي تلاقت مصالحهم جميعاً حول إقبار ذلك الصوت المزعج، الذي ظل متشبثا بخيار التغيير الجذري في الفكر و الممارسة، في ظل جو الانهيار العام و الركوع المخزي أمام النظام و أذياله، ظل متشبثا بقضية العمال و الفلاحين، ليس من باب الاسترزاق أو الترف الفكري و النظري المجرد، لكن انطلاقا من الارتباط الفعلي بالخط العام لحركة التحرر الوطني كضرورة تاريخية على طريق انجاز الرسالة التاريخية للطبقة العاملة، بالرهان على الجماهير المسحوقة صاحبة المصلحة في التغيير و تأطيرها لفرز فعل نضالي واعي، منظم و وازن وأبلغ تعبير على ذلك قول الشهيد "...سننتصر لأننا وسط الجماهير... سننتصر لأن الجماهير ستنتصر..".
خمس سنوات و رفاق و رفيقات الشهيد يواصلون المشوار تجسيدا لشعار"من يكرم الشهيد يتبع خطاه" خاضوا معارك بطولية طويلة النفس إلى جانب الجماهير و المناضلين/ات الشرفاء، و إلى جانب عائلة الشهيد و الصمود البطولي للمناضل الكبير "با محمد" و إلى جانب المعتقلين السياسيين و عائلاتهم التي آمنت بعدالة بقضية أبنائها، و لا زالت تواصل المشوار حتى الآن... مسار حافل تم من خلاله تحقيق العديد من المطالب و المكتسبات، مادية، ديمقراطية، بيداغوجية، و تم إحباط الركن الأعظم من المؤامرة في ظل الاستمرارية النضالية الوازنة و النوعية للنهج الديمقراطي القاعدي، لكن الدرس المر- الذي هو في الحقيقة ليس وليد الفترة الراهنة، بل هو معطى تاريخي- الذي هو في الحقيقة ليس كما كان في مستوى ما قدم، فالضريبة كانت غالية و التضحيات فاقت كل التقدير لكن النتائج لم تكن في حجم ذلك، إنها إستراتيجية الاستنزاف التي ينهجها النظام دوما، و الأكيد أن استيعاب ذلك و طرح سبل تجاوز الأمر سيقوي المسار و سينقل الحركة خطوات إلى الأمام.
لقد استشهد مصطفى مزياني لأجل الحق المقدس لأبناء الشعب في التعليم، هذا الأخير يتعرض اليوم لتدمير منظم لم يسبق له مثيل، و استشهد لأجل تحرر و انعتاق الشعب و الحق في العيش الكريم، هذا الشعب الذي تمتص دماؤه، و تفترس ثرواته وتستغل أبشع استغلال على يد الرأسمال العالمي وحليفه المحلي الكمبرادوري، حيث اقتحمت ضواريه كل القطاعات الاجتماعية و الاقتصادية، ولم تترك أي مسافة لأبناء الشعب غير العبودية المأجورة، و الاقتيات على بعض الفتات بما يضمن الاستمرارية على قيد الحياة، و السكن في الأحياء المهمشة و "البراريك" القصديرية و في أحسن الحالات في صناديق أشبه بالزنازين فيما يعرف ب "السكن الاجتماعي"، استشهد مزياني لأجل القضاء على كل أشكال القمع و الاضطهاد و الاغتيال و الاعتقال، و الآلة القمعية تستمر في حصد أرواح المزيد من الشهداء و تزج بخيرة المناضلين داخل السجون النتنة.
إنها أوضاع بائسة و مؤلمة هي واجهات للصراع و مستويات حقيقة الفعل الجذري، يعتبر الانخراط الفعلي في الاشتغال على هذا الوضع و عدم التواني في تقديم ما يتطلبه من تضحيات بمثابة الترجمة الحقيقية لشعار "من يكرم الشهيد يتبع خطاه" إنها مهمات نضالية كبرى تفرض نفسها بإلحاح، فكلما اشتدت شراسة النهب و الاستغلال، و تطورت طرق التخدير و مساحيق التجميل لستر بشاعة الواقع، كلما زادت صعوبات و تعقيدات المهمات النضالية، و لا خيار أمام من يدعي الانتساب إلى خط الشهداء، خط تحرر و انعتاق شعبنا سوى الانخراط و التضحية في سبيل ذلك.
خمس سنوات مرت على استشهاد رفيق الدرب مصطفى مزياني، لكن القضية لا زالت حية قائمة لأنها خالدة، أقوى من تقلبات الزمن، و يظل اسم هذا المناضل الكبير، نذكره و سنتذكره كرمز و نبراس للتضحية و الصمود، و مواصلة الطريق، أجيال و أجيال المناضلين/ت، بفضله و بفضل كافة الشهداء الأبرار تعلمنا و نتعلم الصمود في وجه الأعاصير الكبيرة و مجابهة الوقائع الأليمة، نتعلم كيف لا نسقط فريسة اليأس مهما تشابكت الدروب و اشتدت وطأة السجن و السجان، إنهم رفقاؤنا الدائمون منهم نتعلم أن لا مجال للاستسلام و إسقاط خيار المقاومة أمام الأعداء و الخصوم، حتى و إن كانت قوتهم و أجهزتهم و إمكاناتكم تفوقنا بكثير، منهم نتعلم كيف نسبح ضد التيار-تيار قهر الإنسان و إذلاله و استعباده- و نحن مقتنعون قناعة راسخة أن مجرى مياه التاريخ سيحملنا حتما إلى بر الأمان، إلى النصر، و لن يصل الجميع بل سيسقط الكثيرون شهداءً، و أنه شرف المناضل أن يساهم في صناعة هذا التاريخ، فتلك خانة لا يصنف داخلها إلا المناضلين الأقحاح.. مشاريع الشهداء.
المجد و الخلود لكافة شهدائنا الأبرار
الحرية لكافة المعتقلين السياسيين

الجمعة، 23 أغسطس 2019

السجن المحلي بتاونات// المعتقل السياسي: عبد النبي شعول( عبد الله)-المعتقل السياسي: مصطفى شعول// غشت الأحمر: الشهيد لم يمت، و القضية لم تنتهي

السجن المحلي بتاونات

المعتقل السياسي: عبد النبي شعول( عبد الله)
المعتقل السياسي: مصطفى شعول

غشت الأحمر: الشهيد لم يمت، و القضية لم تنتهي

إذا كانت المجتمعات لم تتقدم، والشعوب تتحرر و تنعتق، و تتحقق المعجزات عبر ألاف و حتى ملايين الشهداء/ات من أبنائها و بناتها، و إذا كانت الثورات، كل الثورات، كل الثورات لا تنتصر إلا بعد أن ترويها الثوريات و يسقيها الثوريون بنهر من دمائهم الزكية، فإن الشعب المغربي لا يشد عن هذه القاعدة، حيث لم تسفك دماء الشهيدين مولاي بوبكر الدريدي و مصطفى بلهواري سنة 1984، كما لم يسفح دم الشهيد عبد الحق شباضة سنة 1989، لم ينزف دم مصطفى مزياني سنة 2014، و من قبلهم و بعدهم عشرات المناضلين من أبناء شعبنا اعتباطا و عبثا، وفي نفس الوقت لن تضيع دماءهم الطاهرة هدرا و سدى.
في كل سنة، و في أوقات مختلفة، تقف الجماهير بمعية مناضليها الأوفياء، وقفة الإكبار و الإجلال تقديرا منها لشهدائها الأبطال على ما قدموه من ملاحم نضالية و تضحيات جسام دفاعا منهم عن حق الشعب في التحرر و الإنعتاق من ربقة و الاستغلال و الاضطهاد الطبقيين، و في و قفة اليوم، ربما يقدر الواقفون بالآلاف المؤلفة كما عدو في السنوات الماضية بالمئات و الآلاف، لكن ما هو مؤكد، أن عددهم يكبر، و حشودهم تزداد سنة تلوى الأخرى، ذكرى بعد أخرى، و سيصل اليوم الذي سيقف فيه كل الشعب المغربي بعماله و فلاحيه الفقراء و طلابه و معطليه و معتقليه و كادحيه و قفة إنسان واحد، ليجعل من الذكرى يوم انتقام و قصاص من القتلة و الجلادين، يوم إطاحة بالنظام الرجعي الفاسد و القاتل، يوم ثورة شعبية مدوية تقتلع جذور الرجعية المنخور و تغرس بدلها أشجار الحرية و العدالة و المساواة و الكرامة و الحق في الحياة بين البشر في وطن حر حيث لا يضطهد الإنسان، و بهذا الشكل لا غير، تتحول ذكرى الشهداء إلى واقع حي مشرق، بعدما ظلت مناسبة تمتزج فيها الدموع بالدعاء و الأسى بالألم و الحسرة، إن هذا اليوم آت لا ريب فيه حيث لن يفلت الطغاة أبدا من عقاب الشعوب الكادحة.
و مما لا ريب فيه أيضاً، و عند تخليد ذكرى الشهداء، تزداد الرجعية خيبة و قلقا و سعارا و خوفا من المستقبل، بعدما اعتقدت و هي تصوب آلتها الوحشية نحو الجماهير تدهس و تقتل، أنها قتلت القضية و دفنتها إلى الأبد، و ذلك باغتيالها لرموز نضال الشعب بمختلف فئاته و طبقاته الاجتماعية، و الحصيلة هنا ليست حصيلة قتلى عاديين، بل هي كوكبة من الشهداء الأبطال، مكونة من نساء و رجال شموع أبت أن تحترق وهي تتقدم و تقود الجماهير عبر مسيرة ثورية متواصلة، أصرت أن تقف في خط النار الأول مسترخصة حياتها الفردية خدمة لحياة جماهير الشعب الكادحة و لتطلعاتها و تجسيدا لطموحاتها الإنسانية المنشودة، و في هذا السياق عانت الصعاب و قاست الكثير، ولاقت المضايقات و القمع و تعرضت لأبشع حملات التآمر و التهجم و التجريم، و ذاقت التعذيب و السجن و النفي و الاغتيال.
وفي ذات اللحظات الأليمة، يحل شهر غشت الأحمر، ذكرى شهدائنا الأبرار: الدريدي، بلهواري، شباضة، مزياني، المناضلون القاعديون الأربعة الذين استشهدوا في معارك الإضراب عن الطعام الملحمية داخل سجون و مستشفيات العار و الذل، طبعا عشرات المناضلين الآخرين سقطوا شهداء في مثل هذا التاريخ، و لكن للأسف نجهل أسمائهم و لا نعرف عن تجاربهم شيئا بفعل سياسة التعتيم و طمس الحقائق الممنهجة من طرف النظام الرجعي إزاء مقاومة أبناء شعبنا، لكن ما هو ثابت بالنسبة لنا في كل مناسبة أو بدونها، سنتحدث عن مزاياهم النضالية و مناقبهم الأخلاقية و فصائلهم السياسية و الإنسانية، و دوما نستعرض شريط تضحياتهم بهدف صونها من كل استهداف و استرزاق و تشويه، كما سنتحدث بوفاء و إخلاص عن القضية العظيمة التي استشهدوا من أجلها سنقول للأجيال الحاضرة لكي يحملوا الوصية للأجيال القادمة.
إن أيادي النظام السفاح حينما امتدت لاعتقال الرفيقين الشهيدين مولاي بوبكر الدريدي و مصطفى بلهواري رفقة العديد من الرفاق الآخرين و الجماهير عقب انتفاضة 84 الشعبية التي سحقت بالنار و الحديد على غرار باقي انتفاضات شعبنا الأخرى، إنما كانت تنفذ مخططا تآمريا و إجراميا ليس ضد الشهيدين و حسب و لا ضد القاعديين و قيادتهم للحركة الطلابية و حسب، و لكن ضد جموع جماهير الشعب المنتفضة عبر مختلف المدن المغربية، بما فيها مدينة مراكش حيت مسقط رأس الشهيدين، إن هذه الأيادي المجرمة عرضت الرفيقين إلى تعذيب وحشي طيلة مسار الاختطاف و الاستنطاق بمخافر القمع و الزج في السجن في ظروف كارثية و قاسية، فقررا الرفيقين خوض إضراب عن الطعام لا محدود وصلت صداه خارج البلاد لما لقي من احتضان نضالي و شعبي واسع النطاق، و خلال هذه المعركة البطولية استشهد الرفيقين بعد 56/57 يوم من الصمود و الشموخ و كان ذلك يومي 27/28 غشت 1984.
إن النظام المجرم، إذ يغتال الشهيدين، فإنه يستهدف في العمق قضية الشعب المغربي، قضية الثورة المغربية، باعتبار الشهيدين كانا ابرز المدافعين عن القضية و المخلصين لها، و المنخرطين في الكفاح منذ أن فتحا عيونها باكرا على واقع هذا الشعب، و لذا فإن جزء كبير من هذا الشعب الذي كانا على اطلاع بمعركتهما نظراً لسياقها و صيتها النضالي، في إصرار على الاستمرار في النضال حتى تنتصر القضية التي ارتبطت حياتهما و استشهادهما أيضاً بها.
و في نفس السياق، بل وتصعيدا له، خاض المناضل القاعدي الشهيد عبد الحق شباضة معركة الإضراب البطولي عن الطعام دام 64 يوما معلنا استشهاده يوم 19غشت 1989، ففي ذكراه الثلاثين، سنقول من جديد أننا فقدنا مرة أخرى رفيقاً عظيما آخر التحق بقافلة الشهداء القاعديين و الشعب المغربي، و أنه المناضل الذي عاهد فوفى، استحق عز جدارة وسام ابن الشعب، كفاه فخرا أنه كان يحمل هذا الوسام لحظة استشهاده، إن استشهاد الرفيق كان طعنة أخرى في جسد القاعديين و اليسار الجذري عموما، كونه يعد من المناضلين المتمرسين و الذين اكتسبوا خبرة كبيرة في الميدان، و ما قدمه الشهيد من عطاءات جليلة، و ما عرف به من صلابة و نكران الذات، لا يمكن أن يموت بموته الفيزيولوجي، بل سيظل منارة طريق الجماهير و قدوة لمناضلي الشعب المغربي.
سنقول للرجعية مرة أخرى، أن شباضة لا يزال حيا في قلوبنا، و القضية قائمة و النضال مستمر، ألا فليعلم المجرمين أذناب الاستعمار أي منقلب ينقلبون.
في ذكرى مصطفى الخامسة، سنعيد القول لن نمل من الترديد، أننا خسرنا قامة نضالية كبيرة من خيرة المناضلين القاعديين في الجيل الحالي، حيثُ استطاع الرفيق في أحلك ظروف المؤامرة و أقساها في مسيرة النهج الديمقراطي القاعدي أن يحتفظ بمعنويات عالية و حماس ثوري قادر على مواجهة حملات الإرهاب و التآمر النظامي و الظلامي و مختلف طوابير العمالة و التخريب، و شكل في فترة عسيرة رفيق الاستمرار، رفيق الإخلاص و التفاني في الدفاع عن الذات المناضلة و المساهمة الفعالة في الحفاظ على وجودها و تقدمها في الصراع و المقاومة، و عن شخصه نقول انه عرف بالحزم و الصلابة و الوفاء الكبير لقضية نضال الجماهير الشعبية و أن بانتصارها سينتصر المناضل، كما عرف بروحه المتواضعة و السمحة بين رفاقه و رفيقاته في التوجه و المتعاطفين و الجماهير، هاته الأخيرة ما كانت تفارقه أينما حل و ارتحل في فضاءات الجامعة و حتى في مشاركته بمختلف المحطات النضالية في الشارع، إنه بالفعل كان مؤمنا حتى النخاع بقدرة الجماهير و قوتها و طاقتها الحاسمة في المعارك، و بذلك استحق عن جدارة أن يوصف بمناضل الجماهير المقهورة.
مصطفى انتزع منا يوم 13 غشت 2014، بعد 72 يوم من المعاناة و التحدي و الصمود في معركة الإضراب عن الطعام المفتوح، التي ستظل خالدة في ذاكرة الجماهير و المناضلين لما تحتويه من دروس و عبر و تضحيات مشهورة، انتزع منا رفيقنا الغالي، قبل أن يأتي هذا الحديث و غيره من الكلام النبيل الذي قيل و يقال في حقه، فإننا نؤكد على نهجه، نهج الارتباط بالجماهير، ارتباطا نضاليا واعيا و مسؤولا و منتظما، مع معايشة واقعها المر و تعليمها و تعلمها لا التعالي عليها و احتقارها.
نذكر بهؤلاء الأبطال، بتضحياتهم و معاناتهم، و لو باختصار لتتذكر الجماهير هذه الوقائع، لتتذكر أن الرجعية ليس لها وطن تدافع عنه و تحميه و أن المال و العمالة و التبعية للامبريالية و الصهيونية هو دينها الحقيقي، لتتذكر ذلك من أجل رص الصفوف و تفجير حقدها و كرهها المكبوت لصالح التغيير الجذري لأحوالها و ظروف عيشها، لتجعل من كل شهيد سقط في الميدان رمزا من رموز الشعب الكادح من أجل تصعيد المواجهة و المقاومة إزاء نظام قتلة الشهداء و سياسته الطبقية.
إن الشهداء الأربعة المحتفى بذكرى استشهادهم في غشت من كل سنة، هم رموز الشعب في النضال، كما للنظام رموز في الإجرام، هم قامات ثورية و إنسانية، نفتخر بالانتماء إليهم ونعتز بالسير قدما على نهجهم، نأمل أن نكون أوفياء لمسارهم وللقضية و الموقف الذي نتقاسمه معهم، و نعمل على إيصاله للقادمين من المناضلين و المناضلات.
أربعة شهداء، بين سقوط الفم الأول و الرابع، مدة زمنية عمرها 35 سنة، وهي عنوان استمرار التضحية و الشهادة من جيل إلى جيل، من معتقل سياسي إلى آخر، من مناضل إلى مناضل، هذه التضحية طاقة متجددة غير قابلة للنفاذ و الصرف، و ميزة توجه مناضل حافظ عليها منذ نشأته إلى اليوم كسلاح في يد أفراده يواجهون به الواقع المراد تغييره.
أربعة شهداء يجمعهم قواسم مشتركة على رأسها الانتماء السياسي و الاعتقال السياسي كتجربة نضالية، الاستشهاد في معارك الإضراب عن الطعام المفتوح أو اللامحدود وقفوا كثوريون عظماء في عين العاصفة الرجعية متحملين أقصى ظروف المعاناة و الألم تجسيدا للروح الثورية، مضحين بحياتهم الشخصية و الاجتماعية لصالح الدفاع عن التغيير الجذري ببلادنا، إنهم نماذج مناضلة يقتدى بها و لا يعرف الكثيرين تفاصيل حياتهم اليومية وهي تواجه العاصفة و تقاوم الجلادين و مشاريع الاستسلام و الانبطاح، معاناة عظيمة صامتة لمناضلين أبوا في عزة نفس و إحساس قوي بالكرامة أن يبوحوا بها، معتبرين تضحياتهم ثمنا لاختيارهم طريق الحرية و التحرر لشعبنا، و ضريبة لا بد من تأديتها من اجل المساهمة من موقعهم في تعبيد الطريق الثوري.
عندما نقول أن هؤلاء المناضلين من طينة خاصة، و معدنهم أصيل و عظيم لا نبالغ و لا نعمل على دغدغة الحواس و إثارة العواطف و المشاعر لشد عيون الناظرين و المتتبعين للوضع السياسي بالمغرب فهكذا عمل هو من تخصص الخصوم و الأعداء اللذين ما فتئوا على تصوير الشهيد كونه شخصية فوق الواقع و متعالية و أخف من الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تتنفس كباقي البشر، و ذلك بعد فصله عن مجتمعه وصراعاته، كما يعمدون أيضا على سلخه من مواقفه السياسية و إبعاده بشكل متعسف عن التنظيم الذي كان ينتمي إليه، إنها دعاية النظام و إعلامه الموجه إلى تصفية مناضلينا و شهدائنا رمزيا بعدما قام بتصفيتهم ماديا و جسديا، وفي نفس المنحى الخسيس يذهب المتساقطون إلى جعل الشهيد و تضحياته الموشومة بالدم و الألم سوقا متاحا لهم للنهب الرمزي و الاسترزاق الإعلامي و السياسي لمن يبحث عن "شرعية نضالية" قابلة للاستثمار الفردي البغيض، هذه جريمة اغتيال ثانية في حق الشهداء.
إن التجربة القاعدية متواصلة في العطاء المستمر و تقديم خيرة أبنائها شهداء و معتقلين سياسيين، تجربة سياسية كفاحية معطاءة و ولادة خرجت الوجود المادي كإفراز طبيعي للصراع الطبقي بين شعبنا و أعدائه في حقل التعليم بارتباطه مع باقي الحقول الأخرى، ضمنت بقائها حية فاعلة مقاومة بفضل نضالية وقتالية أفرادها ومصداقية مشروعها السياسي العاكس لطموحات الشعب المغربي في حقل التعليم، وكذلك بدماء شهدائها الأبرار، و لهذا فإن حربها اشتعلت منذ الولادة على عدة جبهات و مستويات مع أعداء شعبنا، حتى أصبح دم أبنائنا هدف كل مصاصي الدماء و مفترسي هذا الوطن الجريح، ومطارد في كل الغابات من فك الثعلب إلى فك الذئب كما يقال، حتى أضحى الخلاص بالنسبة للمناضل في التضحية بالنفس و الدم، إعطاء هذا الافتراس المتناسل معنى التضحية و العرس المرتقب، أي الإيمان بجدوى الموت في سبيل قضية شعب عادلة و تمجيده باعتباره الذروة القصوى لنفي و ذوبان الذات الفردية مع القضية موضوع الصراع، و لهذا لابد من تقديس الدم و الاحتفاء بالشهادة التي أنقذت فكرة الموت من تكدسها و عدميتها، و كان لابد من تخليد أعراس الدم المغدور النازف من أجل الحرية، لقد رفضت أعراس الشهداء الموت العادي و أشكال الافتراس اليومية، لأن هذا الرفض هو الذي أعطى حياتهم عظمتها واخضرارها، أي تحققها و وجودها الدائم الحضور في الواقع المعاش و الذاكرة و الزمن، و وهب موتهم وعي الحديث، أي عرس الشهادة و العودة الدائمة إلى رفض الموت إلى البهيمي الحاصل خارج زخات الرصاص، في المنفى منفى اللامبالاة، اللانضال، و اللامواجهة و تقبل أمر الواقع والتطبيع مع المذلة.
أيها الواقفون أمام قبور شهدائنا الأبرار في شهر غشت الأحمر، تذكروا أنه بعد المؤامرة و انطلاق مسلسل المحاكمات الصورية و إصدار الأحكام الظالمة في حق المناضلين المعتقلين السياسيين وسقوط الشهيد في الميدان و هو يقاوم، قالت أبواق النظام آنذاك إن مهمة أجهزة القمع قد تكللت بالنجاح، و أنه تم القضاء على النهج الديمقراطي القاعدي و الفعل الجذري و اجتثاثه من جذوره، لكن الواقع كذبهم على الفور، وها أنتم مرة أخرى تؤكدون استحالة تحقيق الحلم الرجعي و الذي طالما داعب خيال الجهاز القمعي.
و بهذه المناسبة الأليمة، نشد مرة أخرى على أيادي عائلة الشهداء بحرارة و نوصل تحياتنا الصادقة من موقعنا كمعتقلين سياسيين و رفاق الشهداء الأربع الذين نخلد ذكراهم المجيدة، إلى كافة رفاقنا و رفيقاتنا في النهج الديمقراطي القاعدي وعموم مناضلي ومناضلات الشعب المغربي الذين يخدمون قضايا الشعب بصدق و مبدئية بما فيها قضية الاعتقال السياسي، وفي هذا السياق نحث مرة أخرى الشرفاء أن يستحضروا في برامجهم النضالية واقع المعتقلين السياسيين بمختلف سجون الرجعية و إبراز ما طالهم من تآمر و ظلم و سلب للحرية على أساس سياسي، و إيصال هذه الحقائق و بشكل متواصل و منتظم إلى أوسع الجماهير، و أن يعملوا على تكسير الحصار الإعلامي السياسي المفروض، بأن يجعلوا من نفسهم جريدة ناطقة في كل بيت و معمل أو جامعة و مدرسة و دوار و مدينة للتعريف بالقضية و المبادئ و المواقف و الأفكار التي يدافعون عنها المعتقلون السياسيون ويرفضون التنازل عنها رافعين شعار "من يكرم الشهيد يتبع خطاه" و إنا على العهد لباقون.