السبت، 23 أبريل 2016

السجن السيء الذكر عين قادوس –فاس // المعتقل السياسي: بدر الدين موحش // شهادة حول التعذيب.

السجن السيء الذكر عين قادوس –فاس             في 18 أبريل 2016
المعتقل السياسي: بدر الدين موحش
رقم الاعتقال : 1408
شهادة حول التعذيب

في الوقت الذي لا يجد فيه ملايين من أبناء الشعب ما يسدون به حاجاتهم اليومية نتيجة التفقير والتجويع والتهميش، تتفاقم الأزمة وتطفو إلى السطح مجموعة من الاحتجاجات بسبب احتدام التناقضات القائمة في المجتمع، وباعتبار الحركة الطلابية حركة أنتجها واقع التناقضات في المغرب خصوصا في حقل التعليم، حيث أن تاريخها الكفاحي شكل ويشكل الدرع الواقي من كل القذائف والهجومات على مجانية التعليم من طرف التحالف الطبقي المسيطر، وما تعرفه الحركة الطلابية في الآونة الأخيرة من تمردات ومعارك نضالية نوعية من داخل عدة مواقع، فمنذ موسم 2011-2012   والضربات تصاعدت من حدة الهجوم بتوجيه ضربات كانت مركزة على الموقع الريادي ظهر المهراز ،ومن زاوية أخرى ومن ذات الموقع تضاعف الفعل النضالي وبوتيرة سريعة والفاعل في ذلك مناضلين و مناضلات شرفاء بمعية الجماهير الطلابية متشبعين بقناعات صلبة وعزيمة قوية، متمسكين بالإرث النضالي الذي تتميز به القلعة الحمراء الذي تركته الأجيال السابقة وإسهاماتها في انتفاضات الشعب المغربي ( 58، 59، 65.20، 70، 20   فبراير...) ليؤكد هذا الجيل السير على نفس المنوال وحاملا المشعل لإكمال الطريق في التصدي لكل من حاول المساهمة في تثبيت حملات الفكر البرجوازي، والهجوم على الفكر الثوري التحرري، فمنذ انطلاق الموسم الدراسي 2015-2016  ومع بداية عملية تسجيل الطلبة الجدد و التي عبر خلالها جل المناضلين و المناضلات عن مدى تحملهم كامل المسؤولية وذلك بتواجدهم اليومي و المستمر إلى جانب الطلبة وعيا منهم بحجم الهجوم الذي يشنه النظام القائم على حق أبناء الشعب في التعليم بمستوياته الثلاث المادي والبيداغوجي والديموقراطي وذلك بنهجه سياسة طبقية عبر تنزيل المخطط الطبقي "المخطط الرباعي" الذي يتضمن مجموعة من القرارات التصفوية والإقصائية "قرارات 8  يوليوز"، بالإضافة إلى الزحف على مجموعة من المكتسبات ( النقل، المنحة، السكن...)،أمام هذا الهجوم الشرس على مكتسبات الجماهير الطلابية لم يتوانى مناضلو/ات بمعية الجماهير الطلابية وإطارهم العتيد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في التصدي لهجوم النظام القائم في مجموعة من المواقع الجامعية وذلك عبر خوض أشكال نضالية متعددة ومتنوعة، من قبيل نقاشات تفاعلية، نقاشات موسعة، مقاطعات، و تظاهرات داخل و خارج أسوار الجامعة توجت بمسيرات نحو رئاسة الجامعة وصولا إلى عقد حلقيات تقريرية من داخل كلية العلوم بظهر المهراز، والتي خلصت خلالها الجماهير الطلابية إلى مقاطعة الامتحانات الدورة الخريفية حتى تحقيق كافة المطالب، بالإضافة إلى أشكال نضالية أخرى والتي عبرت خلالها الجماهير الطلابية عن مدى تشبتها بمطالبها العادلة والمشروعة، وذلك بتجسيدها مقاطعة الامتحانات في نسختها الأولى والثانية (18يناير و2    فبراير) واللتان تميزتا بنجاح تام بعد ذلك سيتم الإعلان عن امتحانات مشبوهة "الاستثنائية في14    مارس" وترحيلها إلى كلية الآداب سايس عوض كلية العلوم ظهر المهراز والذي اعتبرته الجماهير الطلابية قرارا مشؤوما من جهة، وعجزا صارخا للنظام في ثني الجماهير الطلابية عن مقاطعة الامتحانات من داخل ظهر المهراز من جهة أخرى، فتكلمت لغة القمع والإرهاب في حق الجماهير الطلابية لفرض اجتياز  الامتحانات، نفس التعاطي كان من نصيب الجماهير الطلابية بموقع سايس، بعدما خلصت الجماهير الطلابية إلى مقاطعة الامتحانات والتي عرفت نجاحا في المحطتين الأولى والثانية ( 12يناير و2  فبراير) بعدها سيتم الإعلان عنها بتاريخ 1مارس خلالها سيجهز النظام القائم أسطولا قمعيا بشتى تلاوينه السرية والعلنية التي حجت إلى المركب الجامعي سايس، لكن الجماهير الطلابية بذات الموقع أبت إلا أن تجسد خلاصات الحلقية التقريرية،  وفي صباح اليوم نفسه اتجهت تظاهرة "سلمية" صوب كلية الآداب سايس.
 فكانت الفرق القمعية (السيمي، البلير، القوات المساعدة، فرق الدراجات النارية "صقور"، خراطيم المياه، ورجال القمع بالزي المدني) محاصرة كل المنافذ المؤدية إلى كلية الآداب مستعدين لارتكاب المجزرة، لكن الجماهير الطلابية بذات الموقع وفي تحد غير مسبوق أبانت عن إصرارها على تجسيد المقاطعة، في الصباح من نفس اليوم "1مارس" اتجهنا بتظاهرة "سلمية" صوب كلية الآداب فإذا بنا نفاجأ بسيارات القمع مدوية حاصرت جنبات الحي الجامعي سايس وكلية الآداب سايس، حيث سيتم التدخل في حقنا بشكل همجي وبدون سابق إنذار من أجل تفريقنا والحيلولة دون الوصول إلى الكلية، فبدأت حملة شرسة من الاعتقالات في صفوف الطلبة والتي طالت حتى أبناء الشعب في الأحياء المجاورة ( عمال، تلاميذ، سكان المنطقة...)، فبدأت حينها موجة من التعنيف في حقنا كطلبة في منظر لا يمت للإنسانية بصلة.
بدوري كطالب ومناضل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم أسلم من قبضة رجال القمع، فتم اعتقالي من طرف رجل قمع عندها إنهال علي بالضرب بواسطة هراوة خشبية في مختلف أنحاء جسدي بكل ما أوتي من قوة، بعدها سلمني إلى رجال قمع آخرين بدورهم أشفوا غليلهم وبكل سادية حيث تقدم أحدهم لا زال وجهه يمثل أمامي في كل لحظة أتذكر فيها الحدث، حاملا قضيبا حديديا وأنا مستلقي على الأرض لينهال علي بالضرب على مستوى الرأس حتى فقدت الوعي، بعدها تم نقلي إلى ولاية القمع، فاستعدت وعيي حينها سينطلق مسلسل آخر من التعذيب، لن تستطيع الكلمات عن وصف المشهد حيث تقدم أحد رجال القمع فسكب دلو من الماء على جسدي   متلذذا في رؤيتي أتعذب، فتبار في ذهني سؤال، أهذا هو "الأمن الوطني" الذي يتبجحون به؟ بأن دوره هو مساعدة وحماية المواطنين وتوفير لهم السلام؟! شتان بين ما كنت أسمعه وما عشته في تلك اللحظة من تعنيف، فكرت في أن أصرخ لعلي أجد شفقة لكن بدون جدوى، فاستمر مسلسل التعذيب النفسي والجسدي، قدم أحدهم إلي و إنهال علي بالصفع والشتم والسب من قبيل (أسكت يا ولد القح...أسكت أيها الملحد ...أيها العروبي...)، وأنا أصرخ، تقدم أحدهم إلي وقال "اتبعني" فقادني إلى مكتب خاص ومظلم فغلق الباب، تبسم في وجهي ثم وقف خلفي فضربني إلى ساقي، فسقطت أرضا ثم بدأ بالتبول والبصق على الجروح الموجودة في كل أنحاء جسمي، خصوصا على مستوى الرأس ثم نطق "هذا سيوقف النزيف " وإن "البصق مضاد للتعفنات"، ثم قال لي "اقرأ الفاتحة أيها الملحد"، بعدها إنهال علي بالضرب ثم كان يحاول إخصائي وهو يتلذذ في آلامي وأنا أقاوم بما تبقى لي من جهد، كنت أرتجف من شدة البرد بسبب الماء البارد الذي سكبه علي والدم يسيل من رأسي، بعدها قام بجري إلى غرفة ممتلئة بالطلبة الذين هم تعرضوا أيضا لأشواط من التعذيب تحت السب والشتم والضرب، وبعد ساعة أخذني رجل قمع إلى المرحاض وقام بغسل رأسي من الدم من أجل إخفاء معالم الجريمة، ثم أخدني إلى مكتبه الخاص حيث انطلق شوط من الاستنطاق ( ما اسمك، أبوك، أمك...)، وبعد الانتهاء أخدوني إلى مكتب آخر حيث أخدوا بصماتي، بعدها تم وضعي مع 14طالبا ثم أدخلونا غرفة حوالي 11ليلا، أنزلونا إلى قبو ولاية القمع فأدخلونا زنزانة صغيرة مظلمة بلا غطاء ولا فراش تحت آلام التعذيب والجوع، بعد إغلاقهم الزنزانة استرجعت أنفاسي قليلا ثم استلقيت على الأرض، لم أنم طوال الليلة من شدة الألم، وفي صباح اليوم الموالي أتى أحد الجلادين ففتح الزنزانة لمدة خمس دقائق، فذهبت إلى المرحاض لقضاء حاجتي وعند عودتي إلى الزنزانة عندما انتهيت، قدم لي أحد السجناء من أبناء الشعب قطعة خبز صغيرة فدخلت الزنزانة فنزعت حذائي ووضعته وسادة وأنا أرتجف من شدة البرد والألم.
 حوالي الساعة الثامنة مساء، تم اقتيادي إلى مكتب تحقيقات أبناء الشعب المقموعين، ثم قمت بتوقيع المحضر تحت الضرب والتهديد بالاغتصاب على تهم ليست لها صلة بي، بعدها ارتديت ملابسي فأرجعوني إلى الزنزانة.
في صباح اليوم الموالي الخميس 03 مارس 2016   تم اقتيادنا إلى "محكمة استئناف" في سيارة قمع، تم إدخالنا إلى قبو المحكمة و بعد حوالي ساعتين تم تقديمنا إلى "وكيل الملك" ثم بعدها تم إرجاعنا إلى ولاية القمع و بعد حوالي ثلات ساعات تم نقلي إلى صوب "المحكمة اﻹبتدائية" رفقة سبعة طلبة آخرين حيث ستنطلق أشواط المحاكمات الصورية في حقنا بتهم صورية و ملفقة، من قبيل (التجمهر المسلح، العصيان، إضرام النار عمدا، وضع المتاريس، رشق القوات العمومية بالحجارة، تخريب ممتلكات عمومية"
كنت أظن أنهم سيحققون معي لكنهم قدموا لي محضرا وقالوا لي امضي هنا، بعدها قام أحدهم بإطفاء الإنارة كي لا أتمكن من قراءة محتواه، محضر مهيأ ومطبوخ بتهم مفبركة، عندها قام أحدهم بصفعي وآخر شرع بنتف لحيتي، بعدما طلبت قراءة المحضر ورفضي توقيعه، فشرعوا في نزع ملابسي بقوة ثم هددوني بالاغتصاب وعندما أصريت على عدم الإمضاء أحضر أحدهم ثلاث قنينات زجاجية فقال لي أحدهم " إن لم تمضي على المحضر سنجلسك على إحدى القنينات "، حينها تذكرت حادثة مماثلة قرأتها في إحدى الجرائد وقائعها اغتصاب "شرطي" لطالب بعصى خشبية دون حساب أو عقاب، كنت واع بأن هذه ضريبة أؤديها لانتمائي إلى صفوف الجماهير الطلابية، بعد انتهاء هذه المسرحية تم اقتيادنا إلى سجن عين قادوس السيئ الذكر حوالي الساعة السابعة مساء، أدخلونا إلى غرفة خاصة والقيام بما سموه "الإجراءات القانونية" حيث تم تجريدنا وسلبنا كل أغراضنا الشخصية "المال، الهواتف النقالة..." لحظة سيأتي "مدير السجن" رفقة ست جلادين كانوا يتحدثون فيما بينهم، حينها كنت أبتسم فلاحظته ينظر اتجاهي وهم في حالة استغراب ؟! ففهمت أنه يتساءل عن سبب ضحكي؟! كيف لشخص يمر من كل هذا النوع من التعذيب والتعنيف ومع ذلك يبتسم؟ لم يكن يعلم بأني كنت لا أسمع سوى الصفير والطنين من شدة الصفع الذي تلقيته من خارج وداخل ولاية القمع، بعد لحظة سيتم إدخالنا إلى "حي الرحمة"، حي مملوء بالطلبة، فرحت قليلا واطمأن قلبي رغم واقع السجن والسجان، فتحولنا بين عشية وضحاها من طلبة مكانهم الكلية إلى جانب الجماهير الطلابية وطلبة العلم إلى طلبة قيدتهم أيادي النظام اللقيط ورمتهم في زنازين مظلمة يقارعون الويلات والآهات، لكن رغم كل هذا فلنا الشرف أن أنتمي إلى خط الجماهير في الدفاع عن مطالبنا العادلة والمشروعة أين ما تواجدنا، وإنه لفخر لنا أن نكون معتقلي رأي وقضية كمعتقلين سياسيين.
 يوم10مارس 2016    كان موعدا آخر من فصول المحاكمة الصورية تم خلالها تأجيل المحاكمة إلى غاية 18 مارس 2016، حيث سيتم النطق بالحكم في حقنا، طيلة هذه السلسلة من الجلسات  والمحاكمات الصورية، كنت أنتظر بتلهف كل جلسة على حدة حتى أتمكن من خطف بعض النظرات لأفراد أسرتي وعائلتي التي كانت تؤازرني طيلة هذا الوقت، و أيضا للطلبة والطالبات الذين دائما كانوا إلى جانبنا في أطوار المحاكمة .
 في 18 مارس 2016    يوم النطق بالحكم الصوري في حقنا، تأكد لي بالملموس حجم نذالة القانون الذي نحاكم به، حينما يستعمل كسوط لجلد و قمع الحريات وتقتيل أبناء الشعب، فتم النطق في حقنا بحكم صوري بثمانية أشهر من السجن النافذ، ظانين منهم أنه سيتم ثنينا عن مواصلة الدرب،  درب الشهداء، شهداء الشعب المغربي و الحركة الطلابية و النهج الديمقراطي القاعدي آخرهم وليس بالأخير الشهيد مصطفى مزياني، فلا القمع سيوقفنا و لا السجن سيرهبنا.
 علمني وطني أن حروف التاريخ مزورة
 إن لم تكتب بالدماء، فدمائي
 عربون وفاء لحبك يا وطني .
المجد و الخلود لكل الشهداء
الحرية و الانعتاق لكافة المعتقلين .



0 التعليقات:

إرسال تعليق