الأحد، 6 سبتمبر 2015

المعتقلة السياسية: عائشة البوش // - الجزء الأول - // " تتمة " // شهادة حول التعذيب // " بين المخفر و الجلاد ".



المعتقلة السياسية : عائشة البوش
 رقم الاعتقال      : 97748
 السجن السيء الذكر عين قادوس
        - حي النساء - 





... لقد ظل ذهني يجتر نفس السؤال، طوال الوقت، حول إمكانية حضوري في العرس النضالي ليومي 15/ 16 ، بينما كانوا هم، يلعبون على جميع الأوتار، تارة يدعون المعرفة الكاملة، وتارة أخرى يسألون عن عناوين الكتب التي اطلعت عليها، هل ستتم مصادرتها يا ترى؟! أم سيتم إصدار مذكرة بحث في حق مؤلفيها؟! هكذا كنت أترك لنفسي، فسحة ليرتاح فكري من قصف أسئلتهم التي لا تنتهي.
في لحظة ما، توقف كل شيء عن الكلام، بل حتى عن الحركة، عندما تساؤل أحد الجلادين، عن وقع الأحكام التي صدرت في حق رفاقنا يوم 18 يونيو، توقف كل شيء عن الحركة، عدا ذاكرتي، بدأت أستحضر ذلك المساء، وصرخات الأمهات و العائلات، وهو يدوي في عنان السماء، أخذ يتردد مجددا في مسامعي، توقف كل شيء عن الكلام، لكني سمعت صوت الصمت الذي خيم في أرجاء ساحة فلورانس، سوى غصات ألم محتقنة في حناجر البعض، ودموع متناثرة هنا و هناك على خدود البعض الأخر، أفلم تكن تلك المشاهد كافية كي يعرفوا وقع الخبر؟! ألم تكن آنات الأمهات المكلومات وهن يتساءلن عن مصيرهن بعيدا عن فلذات أكبادهم كل تلك المدة، ومصيرهم هم في غياهب السجون، كافيا كي يقيسوا حجم الجريمة المرتكبة في حق هؤلاء الرفاق و في حق عائلاتهم!؟
لم أشغل نفسي بالسبب الحقيقي الكامل خلف سؤالهم هذا، أفلا يعلمون بأن من يناضل من أجل مشروع تتحقق فيه الإنسانية، يجب أن يكون انسانا أو أكثر من الانسانية؟! أم أن إيماننا العميق بدموية هذا النظام و وحشيته، سيحول دون أن تنزل دموع الأمهات وصرخاتهن، خناجرا، رماحا ثاقبة، على قلوب وأفئدة كل من يعرف أولئك المناضلين، وحجم التضحيات التي قدموها في مسار استكمال مهام التحرر الوطني؟!
ففي جميع الأحوال، ماذا سننتظر من هذا النظام اللقيط بين سنوات السجن الطويل و المزيد من القمع و التنكيل؟! وماذا سننتظر من أذياله من قوى إصلاحية و رجعية غير المزيد من التكالب والتآمر ؟! وماذا سيكون نصيبنا من المتخاذلين و المرتدين، غير المزيد، والمزيد أيضا من عبارات الإدانة و التجريم، لكن بطرق أكثر فنية و إبداعا؟! وفي المقابل، ما الذي يجب أن ينتظروا بدورهم منا، غير المزيد من المقاومة و المجابهة، الصمود و التحدي، الفضح و التجاوز النضالي، و المزيد من تفجير المعارك و الالتحام بهموم الجماهير، والدفع بالقافلة إلى الأمام، تاركين إياهم يعوون كما يشاؤون، وليذكروا أن للتاريخ مقصلة، قليلون هم الذين ينجون من حدة شفراتها؟!
من جهة أخرى، أنا يقينة، أنا هذا النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي، في سياق انتقامه، من المناضلين الشرفاء، وهجومه عليهم، وعلى كل الأصوات الحرة و المكافحة، لم ولن يوفيهم حقهم، وحجم ما قدموه منذ بداية مسارهم النضالي، أم أن ما راكموه سواء عبر لجنة المعتقل، ومجمل المحطات التي التحموا فيها بهموم هذا الشعب الجريح ( إيكلي، صفرو، الشليحات، غيران الطين بفاس،...)، عاملين بكد، مع أبسط الإمكانيات، على جعل الجماهير تؤمن بأنها وحدها من تستطيع صنع تاريخها، أو عبر مشاركتهم في انتفاضة عشرين فبراير، بل تفجيرها، خاصة بكل من فاس و تازة ( لعل الرفيق الغالي طارق حماني لا زال لحدود الآن يؤدي ضريبته على ذلك)، ناهيك عن إسهاماتهم في الحركة الطلابية، باعتبارها رافد من روافد حركة التحر الوطني، أترى، كل هذا، لم يراكم في اتجاه تقريب ميعاد الثورة ب 15 سنة إلى الأمام؟!، لا، بل يفوق هذا العدد و أكثر بكثير.
بعدما ما يقارب الخمس ساعات من الاستنطاق، و التهديد المباشر و الغير المباشر، جاء دور الإغراءات و العروض التي - بنظرهم- لا تقدر بثمن، فجأة! بادرني أحدهم بسؤال لم أضرب له حسابا في مخيلتي: " هل ستبقين في انتظار هشام، مدة 15 سنة بأكملها؟" بدون تردد، وبدون تفكير، وجهت نظري إليه، و ركزت عيني باتجاهه و أجبت: " سأنتظره، ولو مدة 30 سنة، ولم  وتطلب الأمر العمر بأكمله، حتما سأنتظره"، بإجابتي، هذه، أغلقت الباب في وجهه، قبل أن ينتقل إلى مراحل أخرى.
بعد أن فتشوا حقيبة يدي، وحثي على التفكير في العروض و الإغراءات المقدمة، من أجل بناء مستقبلي!! وعلى حد تعبيرهم، ما دامت الأمور لا تزال بين أيديهم، تم إنزالي إلى القبو، أو كما يفضل أن يسميه، معتقلي الحق العام "سيلون" لتبدأ معاناة من نوع أخر.
تكرر نفس المشهد، مرة أخرى، و مرات طويلة، دهاليز مظلمة، و لا أحد سوايا، إلا أحد الجلادين يتقدم مني، ولا صوت إلا لوقع خطواتنا، وصلنا إلى باب أسود حديدي كبير، ضغط على أحد الأزرار، فتحت الباب، زجني للداخل و رحل.
كان في استقبالي، حارسين بنظراتهما الإزدرائية التي لم أعرها اهتماما، قبل أن يتكلم، أزلت رباط أحذيتي، نزعت غطاء رأسي، وبدأت أتساءل أيهما سيقوم بتفتيشي، وقد عادت ذكريات تجربتي الأولى إلى خاطرتي، عندما نزع أخر ملابسي، حتى التحتية منها وأخذ يفتشني، وقد أعطى لنفسه الحق في لمسي، حيثما شاء، وأينما أراد، ظننت أن كل شيء سيعاد، بنفس الطريقة الحقيرة، بينما أنا أعد نفسي لذلك، سمعت أحدهما ينادي : " آ... أجي قلبي هذي"، إنه تغير ملحوظ، لقد أحضروا امرأة خاصة بتفتيش النساء الوافدات، و بالفعل أتت، وأول ما قامت به، أفرغت محتويات حقيبتي بشكل فوضوي وبعثرتها على إحدى الطاولات، نزعت حذائي، تقدمت نحوي، وأمرتني أن أدير وجهي نحو الحائط،  وألتصق به، رافعة يداي إلى الأعلى، رفضت، وتساءلت أولا عن مصير أغراضي، لن أفتش حتى أرى حاجياتي، وقد عادت بأمان لمكانها، ارتسمت علامات الدهشة و البلاهة، في نفس الحين، على محياها، فمن هذه التي تجرأت على عدم الامتثال لأوامرها؟! حاولت جعلي أخضع بالقوة، مرة بالدفع، و مرات بالسب و الشتم، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، فما كان منها إلا أن تطلق العنان لصرخاتها، وهي تستعين بالأخرين، ثم قدم أخر و انقض علي، أطبق بقبضتيه، اللتان ظننتهما لوهلة أنهما من الحديد، على ذراعي، وقامت هي بتجريدي من الجزء السفلي لملابسي، بعدها حول قبضتيه، ولفهما على خاصرتي، ثم جردتني هي من الجزء العلوي لملابسي، جميعها، حتى التحتية، كل هذا، وصدى صرخاتي ممتزجا بكلماتهم النابية و الدنيئة، يعم أرجاء المكان، بعد أن فرغا من تفتيشي بكل سادية و همجية، قمت بالسير باتجاه أحد الزنزانات التي أشاروا علي بها، وما إن دخلت حتى ارتميت على أحد الأفرشة المهترئة أرتب ملابسي وصرخت عاليا: " ليس لكما الحق بتفتيشي بهذه الطريقة، ليس لكما الحق في إتلاف أغراضي و حاجياتي، ليس لكما الح...، قبل أن أنهي كلمة الحق الثالثة حتى وجدت ثالثهما، وقد ولج الزنزانة متجها نحوي، بعينيين بارزتين، تستشيطان غضبا، بدا لي كأحد الكلاب المسعورة، التي فك قيدها، وصرخ : " من يتحدث هنا عن الحق؟! من يتحدث هنا عن القانون؟! من ذا الذي أوهمكم بأن هذه فعلا بلاد الحق و القانون (وكأني أظنها كذلك !!! !هنا لا يوجد غير الح...ا ، لا يوجد غير التخوا...، ..."، و استرسل في قاموسه البهيمي ودون أن يعطيني فرصة كي أستوعب ما يحدث، بدأ بركلي و رفسي في كل أنحاء جسدي، و كأن به مسا من الجنون، فما كان مني أن غطيت رأسي بذراعي، و انطويت على بطني وتركته يفرغ مكبوتاته العدوانية فيما تبقى من جسدي، لم يكلف نفسه عناء، اختيار مكان محدد، حيث يهوي بركلاته و رفساته، لقد انهال علي بالضرب والصفع، في جميع الأمكنة، بيديه، رجليه، ركبتيه، في حلقات متواصلة لمدة أربعين دقيقة تقريبا، لا تفصل بينها سوى فترات قليلة، يسترجع فيها أنفاسه، متلفظا بنفس القاموس البهيمي: "يا بنت القح..، ملقيتي فين تهدري على الحق غير فالمغرب، هنا راني نح... مك، وما يسقليك حد الخبار..." ثم أخرج من جيبه سيجارة و قداحة، أوقد هذه الأخيرة، ووضعها قرب عيني، وقال بكل ثقة: " هنا راني ندير فيك ما بغيت، و تاليتها نحرق دين مك، و معندك مديري" ثم أشعل سيجارته و اتجه نحو مخرج الزنزانة ليردد : " انطلق دوامي منذ الواحدة زوالا، ولحدود الآن لم أدخن ولو سيجارة، إلى أن أحضروا هاذ العايقة هذي... الله ياخود فيك الحق"، لم أستغرب لكل ما حدث- فإذا كنت فوق عذبت نفسيا ها قد حان وقت العذاب الجسدي- بقدر ما أثار دهشتي جملته الأخيرة!! هكذا تكرر المشهد الحقير الذي تذكرته لكن بحقارة أكثر.
اعتدلت في جلستي، بصعوبة جراء الألم الشديد، التي انتشرت في كل أنحاء جسدي، خاصة ظهري و ساقي، إذ كان بين الحين و الأخر، يقف عليهما، وعلى فخذي، و يضغط  بحذائه بكل ما أوتي من قوة، حاولت ربط شعري، لكني وجدتهم قد أزالوا مشد رأسي دون أن أدري، عرفت حينها، لماذا كان يسهل عليه شدي من شعري كلما أراد، بينما أنا كذلك لمحت فتاة صغيرة انزوت في ركن من أركان الزنزانة، لم ألاحظها عند دخولي، تعانق رزمة كانت لبعض ملابسها، وقد أبيضت شفتاها هلعا من هول ما رأته، نظرت إليها، وبصعوبة ابتسمت حتى أهدأ من روعها، ثم مددت يدي نحوها، وطلبت منها الاقتراب، ما  أن همت بالوقوف، و السير نحوي، اكتشفت أنها مصابة بإعاقة على مستوى قدميها، وبمشقة وعناء واضحين، وصلت عندي، انحنت علي وقبلتني، وبدأ مسلسل تعارفي برفيقتي التي ستشاركني في الزنزانة.


0 التعليقات:

إرسال تعليق