دجنبر الذاكرة: إذا كان للشهداء عطر في كل انتفاضة شعبية...،
فاللشهيدات رحيق خاص في ذاك العطر.
ها قد عاد كانون الأول، ليذكرنا بحجم التضحيات المقدمة
من طرف الجماهير المسلوبة في كل بقاع العالم في سبيل تغيير أوضاعها وبناء أوطان
تتسع لأحلامها، ففي الوقت الذي يحصر البعض هذا الشهر فقط في سحر الطبيعة وجماليتها
(تساقط الثلوج وأوراق الخريف)، وتحاول الرأسمالية المالية إيهام الطبقات المضطهدة
(بفتح الهاء)، بأنه شهر المصالحات عبر التخفيض في أسعار المشتريات بالأسواق
المركزية محاولة إضفاء طابع الرفاهية المزيفة، كما يصادف هذا الشهر (10 دجنبر 1948)
الإعلان عن اليوم العالمي لحقوق الانسان، حيث تتبادر إلى أذهاننا مجموعة من
الأسئلة الجمة، فعن أي إنسانية يا تراهم يتحدثون؟!!، وبأي حقوق يتبجحون؟! في ظرفية
زمنية حساسة تغيب فيها كل حقوق الإنسان جراء استغلال الإمبريالية لموارد العيش والطبيعة
والإنسان بشكل وحشي.
وهذا الشهر هو شاهد على حجم همجية ودموية الأنظمة
الدكتاتورية، بدءا بثورة 1905 بروسيا، والتي اندلعت يوم 22 يناير أو ما يعرف
"بالأحد الدامي" بمدينة سان بترسبورغ، لتبلغ ذروتها في ديسمبر بموسكو،
حيث احتدت فيه حجم الإضرابات التي وازاها القمع الشرس من طرف القيصر للجماهير
المنتفضة، وعلى الرغم من كل النعوتات التي يطيب للبورجوازية أن تستهزء بها من ثورة
1905، من قبيل «الإجراء المصطنع» أو «الإنتفاضة السخيفة»، يبقى لها الفضل الكبير
في إرساء أسس ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى لسنة 1917. لنمر إلى ثورة الجزائر
1960، ففي الوقت الذي زعمت فيه فرنسا أنها قضت نهائيا على كل مقاومة خلال "معركة الجزائر"، اجتاحت بعد ثلاث
سنوات من تلك المعركة وبالضبط يوم الأحد 11 دجنبر، تظاهرات ضخمة للشعب الجزائري،
تجاوزت القمع العسكري الفرنسي، حيث كبدته آلاف الخسائر وساهمت بشكل كبير في تغيير
مسار الثورة الجزائرية.
والأكيد أننا لن ننسى الإنتفاضة الفلسطينية الأولى (8
دجنبر 1987)، "انتفاضة الحجارة" والتي سميت بهذا الإسم لأن الحجارة كانت
هي أداة الهجوم والدفاع الوحيدة التي استخدمها الشعب الفلسطيني البطل ضد دبابات وقنابل
الكيان الصهيوني (...).
وشعبنا الأبي بدوره لم يتخلف عن الركب، وأبى إلا أن يبصم
هو الآخر هذا الشهر بدمائه الزكية، فأحياء مدينة فاس لا تزال شاهدة على الإنتفاضة
المجيدة 14 دجنبر 1990، والتي أتت على إثر تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، خصوصا بعد اعتماد النظام القائم لسياسة "التقويم الهيكلي"
بما هي إملاءات من لدن المؤسسات الإمبريالية، لمزيد من تكريس التبعية الإقتصادية وتفريغ
أزمة النظام على كاهل الجماهير الشعبية، ولكن ما فتئ النظام يعلن يوم 05 دجنبر عن
استعداده التام لإستخدام كل الوسائل لضمان ما سمته "بحرية العمل" و
"الحفاظ على النظام العام"، حتى خرجت القيادات النقابية البيروقراطية
وكل البوتيكات السياسية، تطالب المضربين بالتزام بيوتهم، إلاّ أن استهداف القوت
اليومي للجماهير، والزحف على مكتسباتها، حالا دون إرادة النظام القائم وأذنابه،
فكان الإضراب العام الوسيلة النضالية المتقدمة التي فجرت الأوضاع، وتجاوزت كل الرهانات
السياسية الإنتهازية الضيقة، حيث استمرت الإنتفاضة ثلاثة أيام متوالية، استنفد
خلالها النظام القائم كل جهوده لقمع المتظاهرين من "أجهزة قمعية" بما فيها الرشاشات والمدافع
التي ظلت مرابطة لمداخل الأحياء الشعبية، بالإضافة إلى القصف العشوائي، وإمطار
المحتجين بغازات لم تعرف نوعيتها لحدود اللحظة، كل هذا مورس في حق شعب أعزل في ظل
فراغ سياسي كبير، والجدير بالذكر هو حضور وإسهام الحركة الطلابية إلى جانب
الجماهير في شوارع مدينة فاس، والتي بدورها لم تسلم من استهدافات النظام القائم (حملات
الإعتقال، وضحايا القمع، ...)، ليأتي دور القوى الظلامية التي كانت في بداية
اجتياحها للجامعة المغربية، تحت رعاية ومساندة النظام القائم لإرتكاب جرائمها (اغتيال
الرفيقين محمد آيت الجيد بن عيسى، المعطي بوملي). فكان ذلك الشهر رمزا تاريخيا في
ذاكرة مدينة فاس، كسر طوقا سميكا من الخوف، وقدم تضحيات لا تنسى، لتكون الحصيلة
ملئ المعتقلات وحفر قبور جماعية لآلاف الشهداء والشهيدات.
وككل الإنتفاضات الشعبية والمحطات الثورية الحاسمة، لعبت
المرأة دورا محوريا في الدفع بعجلة الصراع نحو الأمام، حيث لم تشد المرأة المغربية
هي الأخرى عن هاته القاعدة، إذ أمسكت إبان هاته الإنتفاضة المجيدة بيد رفيقها
الرجل وسارا بدرب أناره أبرار في السابق، ليساهموا بدورهم في إنارته. ولا يمكن
لهذا الشهر أن يمر دون أن يذكرنا بأيقونة النضال المغربي "سعيدة المنبهي"،
حيث تحل علينا الذكرى 42 لإستشهاد الأم البروليتارية العظيمة التي أحبت النور
فاحترقت لتنير عتمة دربنا، ذكرى البوصلة والقدوة لكل ماركسي لينيني مؤمن بحتمية
النصر ومستعد للتضحية من أجل إحلال المجتمع المنشود، ذكرى النموذج الحقيقي للمناضلة
الثورية التي لا يشق لها غبار، ذكرى المرأة التي اختارت خندقها منذ وقت مبكر، خندق
الثورة والثوريين، والتي بالرغم من قصر حياتها تمكنت من أن تقدم ما لا يعد ولا
يحصى من التضحيات، المرأة التي تحدت السجن والسجان فرسمت بأمعائها الفارغة آيات من
البطولة في دهاليز النظام، معلنة ميلادها الجديد يوم 11 دجنبر 1977، في سن لم
يتجاوز 25 سنة، لتخط بدمائها آخر قصائد الوفاء "سأموت مناضلة"، متقفية
بذلك خطى رفيقها في القضية والموقف، رائد الثورة المغربية والقائد العظيم عبد
اللطيف زروال، فكيف لا وهي القائلة : «حتى وإن كنا تحت الأرض، سأشق طريقا نحو
النور، ففي القلب زروال»، لتملئ بدورها قلوب أجيال من المناضلين والمناضلات، وترعب
باستشهادها كل المتكالبين والخونة الذين ظنوا باغتيالهم لسعيدة لن تقوى أي امرأة
أخرى على مجابهتهم، باعتبارهم المرأة كائن ضعيف عاطفي لا يقوى على الصمود في
الظروف القاسية، لتأتي نجية في ذات اليوم من سنة 2000، وتكسر كل رهانات النظام
القائم، وتقدم حياتها قربانا للشعب المغربي، وفداءا لحريته من بطش الإستغلال
والإضطهاد الطبقيين، فما داما هاذين الأخيرين قائمين إلا والأوطان ولادة للثوار
الحاملين على عاتقهم مسؤولية التحرر والإنعتاق، ودك بنية الرأسمالية المتعفنة.
ولعل ما يقع الآن بمجموعة من البلدان (فرنسا، لبنان، العراق، الشيلي،...) لبرهان
ساطع على مقولة الرفيق لينين «الفاشية هي الرأسمالية في حالة الإضمحلال»، ولدليل
قوي على أنها واشكت لفظ آخر أنفاسها.
إذن فما علينا إلا الوفاء لهاته الدماء الطاهرة، والسير
على خطاها لتحقيق النصر الحتمي الذي بشرنا به كل هؤلاء المناضلين الشرفاء (زروال،
رحال، التهاني، دهكون، سعيدة، نجية، زبيدة، الأجراوي، الكاديري، الدريدي، بلهواري،
شباضة، بوملي،....)، وآخرهم الشهيد الغالي مصطفى المزياني الذي نقش بدمائه الكلمات
التالية : «سننتصر لأننا نسير على درب الجماهير، سننتصر لأننا وسط الجماهير،
سننتصر لأن الجماهير ستنتصر».
ڤيرا : مناضلة قاعدية

0 التعليقات:
إرسال تعليق