الأحد، 6 أكتوبر 2019

فوبيا المدرسة : الجزء الثاني


فوبيا المدرسة : الجزء الثاني


قبل بداية الموسم الدراسي الجديد لهذه السنة، و بينما الآباء الأمهات منهمكون في البحث عن مورد مالي لتدبير أزمة الدخول المدرسي بتكاليفه و متطلباته و ضغوطات، برزت للواجهة معطيات دقيقة لا تحتكم لمنطق الصدفة هذا شيء واضح للجميع، نالت هذه المعطيات و الأحداث قسطا من التداول في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل متقطع، بدءً من خطاب الكمبرادور الذي لم يستطع هذه المرة أن يجد مفاهيم ملغومة لتمرير فكرة "الملك الصالح و الحاشية الفاسدة" لأن المرحلة تتطلب توجيه مباشر و تنزيل لتوصيات لم يعد يستطيع تنزيلها بشكل خفي، اختار لغة واضحة تضرب في عمق قضية التعليم و مفردات واضحة لا تتطلب جهدا للفهم "الحصول على شهادة الباكالوريا و ولوج الجامعة ليس امتيازا ... الأهم هو الحصول على تكوين يفتح أفاق الاندماج المهني..." المعنى واضح تكوين يد عاملة و بيعها بأبخس ثمن (حيث الراتب الشهري للعامل لا يتجاوز 3000درهم) و صفقة البيع طبعا تمرر للشركات الأجنبية لمراكمة الأرباح، ما يمكن استنتاجه أيضا ترسيخ فكرة أن التعليم العالي لا قيمة له و لن يمكن أصحابه من الحصول على فرصة شغل، هذه المفارقة كافية لفهم أنهم ربطوا مصيرنا و مصير شعبنا بالعبودية بعدم التحرر بأن نظل دائما تحت وطأة الاستعمار بمختلف أشكاله بأن لا نفكر في البناء إلا فإطار ما تتيحه مشاريعهم و استثماراتهم، أن نشغل دور الرجل السيزيفي الذي يحمل الأثقال كل يوم طمعا في أن يصل يوما إلى مبتغاه.
بعدها بأيام معدودة و في إطار تقوية مشاريعهم الاستثمارية في قطاع التعليم يطل علينا أمزازي "المسؤول الأول" عن قطاع التعليم الذي يحتاج إلى دعم كبير في تقويم معارفه في اللغة العربية حيث أن الكل شاهد مستواه المتدني و تلعثمه في نطق كلمتين باللغة العربية (ومع ذلك يترأس وزارة التعليم في بلاد العجائب)، و هذا الحدث جاء بعدما تمت المصادقة عل "قانون الإطار" و خلق هالة من التعتيم على أهم بنوده و هو البند القاضي بالضرب في مجانية التعليم، و تحوير النقاش و جعله محصورا حول "اللغة المعتمدة للتدريس" هذه الآليات ليست بالغريبة في تنزيل العديد من المخططات الطبقية، حيث دائما يتم اعتماد سياسة الإلهاء لتمرير مخططات خطيرة جدا، لم تقف المسألة عند هذا الحد فبعدها بأيام معدودة صرح هذا الأخير "وزير التعليم" و ذلك في ندوة صحفية بمناسبة الدخول المدرسي و التكوينيي2019/2020، بأن "التعليم الخاص لا يجب أن يظل محصورا في المناطق الحضرية بل يجب أن يصل إلى العالم القروي و أن الدولة مطالبة وفقا لمقتضيات قانون الإطار بتوفير الدعم للتعليم الخصوصي " و هذا سيفتح المجال للمستثمرين من الاستفادة من التحفيزات الجبائية و توفير قطع أرضية لبناء مؤسساتهم و كذا الاستفادة من المدارسة المغلقة و إصلاحها و تحويلها إلى مدارس خاصة، و هو ما يبرز بشكل جلي أن النظام القائم يسير بخطى ثابتة نحو خوصصة القطاعات الحيوية، و الحديث عن دعم التعليم الخاص في المناطق القروية يضعنا أمام سؤال عريض، ماذا قدموا للتعليم العمومي بالمناطق القروية؟ ماذا قدموا للمغرب المنسي؟ آلاف الأطفال الذين حرموا من ولوج المدرسة لبعدها أو انعدام وجودها في بعض المناطق؟ ماذا قدموا لأولئك الذين منعتهم تساقطات مطرية و ثلجية من متابعة الدراسة لشهور عديدة؟ ... هناك الكثير من الأسئلة التي نعلم أنكم لن تجيبوا عنها و نعلم أنكم تستخدمونها لدغدغة المشاعر و التسويق لحملاتكم "الانتخابية" الممسوخة، و أنتم من تسهرون على دراسة أبنائكم في مدارس البعثة المكيفة و النظيفة حيث لا يتعدى عدد التلاميذ فيها 10 تلاميذ و قاعات مجهزة بأحدث الأجهزة التكنولوجية و نقل خاص بمواصفات خيالية .... في حين أن مدارس العالم القروي التي لا يحق لنا أن نسميها بمدارس لافتقادها لأبسط شروط المدرسة فهي في أغلب الأحيان عبارة عن حجرة من طين معزولة عن القرية علقت فيها قطعة من خشب و طاولات شاهدة على زمن من البؤس و الحرمان، و هذا ما كشفت عن جزء منه إحدى الأستاذات بالعالم القروي مؤخرا بعد نشرها لمقطع فيديو من مكان عملها يوضح حجم الكارثة يكشف عن واقع يفعلون ما بوسعهم لتغطيته، ما دفعهم إلى إحالة الأستاذة "لمجلس تأديبي" بهدف تأديب/إخراس كل الأصوات الحرة و الرافضة لسياساتهم الطبقية، ليتم بعدها انطلاق عملية واسعة من نشر صور تكشف الواقع المزري في العديد من المدارس هذه حملة قادها نشطاء فيسبوكيين واكبوا و ساندوا هذه الأستاذة الحاملة فعلا لرسالة التعليم و هذا ما جعل النظام القائم يتراجع عن قراره "التأديبي"، هي عملية ذكية لإيقاف حرب إعلامية تكشف المستور و تعري جزء من واقع بلادنا في شقه المتعلق بالتعليم، نجح فيها نسبيا لتتلاشى الصور التي عمت صفحات التواصل الاجتماعي .
هذه المعطيات و الأحداث حاولنا صياغتها وفق فهمنا للوضع، و هذه المحاولة ما هي إلا مدخل لفهم ما يجري من حولنا لنكون واعين بحجم التدمير الخفي لقطاع هام يشكل اللبنة الأساس لتطور أي مجتمع، هذا وفق ما تؤمن به العلوم، لكن الوضع بالبلاد مختلف بنيويا و ما المدرسة إلا جزء من منظومة مترابطة فيما بينها تعكس عمق الأزمة، التي لا مناص اليوم من الاعتراف بها علنا، لأنه لم يعد هناك مجال لمدبجي الكلمات و الشعارات و أطروحات "العهد الجديد" و "مغرب الغد" هذا الغد الذي لن يأتي بما يروج من خطب تتكرر في كل المناسبات بشكل رديء أو مشاريع تهدف في جوهرها إلى تعميق الأزمة أكثر فأكثر، هذا الغد الذي لن يسقط من السماء ذات يوم لكي نستفيق على واقع أجمل، فالسماء لا تمطر ذهبا و لا فضة فنحن اليوم أمام خياران إما أن نتأقلم مع الوضع على حساب مصالحنا الطبقية، أن نقبل بمزيد من الذل و الإهانة و الاستغلال و الصمت يملئ حناجرنا، و إما أن نصرخ بكل قوة و بكل عزم، أن نثور أن نناضل بفهم و بمبدأ و بصدق، نعم بصدق حقيقي يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار و يقف أمام المزيفين و الانتهازيين و كل ما من شأنه أن يعرقل المسار، مسار من ضحوا و من اغتيلوا و من سجنوا و ذاقوا من أغلال السجن و مرارة السجان كل صنوف العذاب و لازالوا صامدين صادقين ثابتين على العهد، من هنا بالضبط يمكن لمغرب الغد أن ينبثق أن يبنى شيئا فشيئا، أن يتلمس طريقه نحو التحرر و الإنعتاق من نيران الاستغلال و الاضطهاد بكافة أشكالهما .
فهد: مناضل قاعدي


0 التعليقات:

إرسال تعليق