الثلاثاء، 2 أبريل 2019

فوبيا المدرسة



فوبيا المدرسة

هو شهر مارس بذاكرته التي تأبى النسيان هو شهر مارس بصوت الاحتجاج و الانتفاض المنبعث من عمق تلك الستينيات و ممتد على طول عقود من الزمن بتضحيات الشهداء و صمود المعتقلين السياسيين و أنين المعطوبين هكذا رسم الشعب المغربي جزءا هام و تحولا نوعيا في مسار نضاله الطويل ، أسقط القناع و فتح الطريق الثوري لمعتنقيه الأوفياء الذين آمنوا بحتمية النصر و حملوا هذا الفكر في أحلك الشروط، و المعتقلات السرية شاهدة على ما قدموه في أقبية العذاب و بين رحاب الموت البطيء من تضحيات جسام.
فكان الاستهداف واضح المعالم و مخطط بإحكام و ثبات أراد من خلاله النظام القائم، إغلاق المدارس في وجه أبناء شعبنا خوفا من لهيب المدرسة و دورها، هذا الخوف الذي سيتطور في ما بعد ليصبح حالة من "الفوبيا" بعدما لعبت الحركة التلاميذية دورا هام إلى جانب الحركة الطلابية بحضورهما القوي و النوعي في كافة المحطات النضالية لشعب المغربي(65،81،84،90...) كمساهمة نوعية في مسار تحرر الشعب المغربي من نيران الاستغلال الطبقي، هذا الإسهام و هذا الحضور البارز راكم تجربة غنية في صفوف تاريخ شعبنا المقاوم من جهة بينما راكم ذعرا و خوفا تطور شيئا فشيئا ليصبح فوبيا يشكو منها النظام القائم و هذا ما عبر عنه الكمبرادور "الحسن السفاح" في خطابه الشهير الموجه للتلاميذ الطلبة و الأساتذة، في تلك المرحلة بضبط كانت أعراض و حدة "فوبيا المدرسة" واضحة على ملامحه بشكل لا يدع مجالا لشك أن مقومات هدم المدرسة العمومية بكل مكوناتها تلوح في الأفق، و تنتظر التعليمات من دواليب الرأسمال العالمي الذي استنزف خيرات الشعوب من ثروات هائلة بعد إعادة تقسيمه للعالم من جديد ليتمكن من السيطرة أكثر، فكانت تعليماته صارمة لأتباعه و خدامه المطيعين، جاءت في ما سمي بسياسة "التقويم الهيكلي" مع بداية الثمانينات صارع النظام القائم بالبلاد إلى تنفيذها مخلفا أنهار من الدماء و مئات المعتقلين السياسيين وقفوا في الميادين و الشوارع و واجهوا الرصاص الحي دفاعا عن وطن أريد له الموت، لكن أبناءه الأوفياء رفضوا أن يشيعوا جثمان وطنهم، و هكذا استمرت الحرب على المدرسة و مقوماتها من ضرب للمضمون الأكاديمي و إفراغ المقررات من فحواها العلمي، الهجوم عل شعب بعينها و العمل على تبخيس قيمتها المعرفية و المثال على ذلك هو القرار الأخير الذي صادقت عليه وزارتهم و القاضي بإلغاء الفلسفة من الامتحان الوطني بسلك الباكالوريا، بهدف ضرب مكانتها المعرفية و جعلها شيئا هامشيا لا قيمة له، وكذلك العمل على توجيه أكبر عدد ممكن من التلاميذ لمراكز التكوين المهني بغرض توفير يد عاملة رخيصة كفيلة بالاستجابة لمتطلبات رؤوس الأموال المستثمرة في المغرب، وهذا جزء من مخطط الاستهداف تلته فيما بعد أشكال أخرى تركزت في مجموعة من المخططات الطبقية (الميثاق الوطني للتربية و التكوين، المخطط الاستعجالي، الرؤية الإستراتيجية2015/2030) و الهادفة إلى خوصصة قطاع التعليم تحت يافطة من الشعرات الكاذبة من قبيل "الرفع من جودة التعليم" و الذي ليس إلا رفعا لأسهم المضاربات البنكية لأصحاب رؤوس الأموال الذين يرون في المدرسة فضاءً خصبا للاستثمار وهذا ما يعبر عنه النظام القائم في كافة المخططات الطبقية المتعاقبة على هذا القطاع بما يسميه "بربط المدرسة بالمجال السوسيو-اقتصادي " و الهدف واضح لا غبار عليه و أتضح أكثر عبر سن (قانون الإطار51-17) كخطوة أخيرة في مسار خوصصة شامل و مملى من دواليب الإمبريالية العالمية، لتكتمل الصورة و لكي يصبح المشهد أكثر وضوحا اتجه الهجوم على مكون أساسي من مكونات المدرسة العمومية و هو الأستاذ، عبر فرض "قانون التوظيف بالعقدة" و ضرب سافر للوظيفة العمومية، و هذا ما يعبر عنه اليوم الأساتذة المتعاقدين برفضهم لهذا المخطط و مطالبتهم بالإدماج و إسقاط مخطط التعاقد لتكون الإجابة قمع و دهس و إهانة .. كل أشكال البطش طالت جيل الأساتذة مربي الأجيال و حاملين رسالة العلم لأبناء وطننا في معركة بطولية دشنت أسبوعها الرابع على التوالي من المقاطعة و الإضراب الذي شمل كل ربوع وطننا الجريح و نال تعاطفا شعبيا عارما و سجل صورا لأساتذة في شوارع الرباط ينكل بهم في منتصف الليل في مشاهد لن يغفرها لكم شعبنا البطل ما اقترفتموه و ما حصدت آلتكم القمعية، هو مشهد يربط الماضي بالحاضر لم يتعلم من خلالها النظام الرجعي و المصاب بفوبيا المدرسة أن من وقفوا في منتصف الستينات دفاعا عن المدرسة العمومية هم نفسهم من يقفون اليوم في وجه مخططاتك قد تتغير الأجيال و تتعاقب لكن نضال شعبنا لن يتوقف أبدا، بل يزداد اليوم قوة و إصرارا على المضي قدما مخلفا آلاف المعتقلين السياسيين في سجون الذل و الحرمان، يشكلون وقودا يرسمون الخط الفاصل بين معتنقي الميادين و المدافعين عن قضايا الشعوب و بين معتنقي الهوامش و هواة الثرثرة.
إن ما نحتاجه اليوم أكثر من اختيار العبارات الرنانة المعلقة في جدران هواتفنا لحصد الإعجابات الفيسبوكية الوهمية، بل نحتاج إلى العمل اليومي القادر على حفظ التراكمات الحاصلة و التفكير الجدي في فتح لها أبواب التطور الموجهة نحو فعل ثوري قادر على خلق الجديد و تخلص من القديم المتهالك، قادر على بناء وطن يتسع للجميع.


فهد: مناضل قاعدي

0 التعليقات:

إرسال تعليق