الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

سعيدة المرأة المرآة



سعيدة المرأة المرآة
تحل علينا اليوم الذكرى 41 لاستشهاد أيقونة الثورة المغربية سعيدة المنبهي، و كلنا افتخار لانتمائنا إلى درب من ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل مسار الرقي بالإنسان إلى مستوى اللااستغلال. تربطنا الذكرى بمواقف و مبادئ و قناعات صلبة حطمت القيود و كسرت جدران الزنازين و نقشت فكر الثورة في أذهان الأجيال المتعاقبة من المناضلين. نقف اليوم في الذكرى 41 تقديرا لحجم التضحيات الجسيمة التي قدمتها المرأة إلى جانب رفيقها الرجل تعبيدا لطريق التحرر، باعتبار الجدلية القائمة بين تحرر المرأة و تحرر المجتمع.
سعيدة المنبهي نموذج مغربي لامرأة مناضلة تخلت عن أحلام الحياة التافهة لتعانق حلم التغيير الثوري، سعيدة من خيرة من دافع عن قضية المرأة كقضية طبقية موقفا وقناعة آمنت به الشهيدة سعيدة المنبهي المناضلة الماركسية اللينينية المتشبعة بالفكر الشيوعي، انطلقت مسيرتها النضالية بالحركة التلاميذية حيث قدمت الكثير لها سواء على المستوى التنظيمي و النضالي للحركة التلاميذية ليستمر حبها وعشقها للنضال فيما بعد بالحركة الطلابية و تحملها المسؤولية في المنظمة أوطم.
عرفت الشهيدة بالتزامها و صمودها و تشبثها بالكفاح من أجل التحرر الحقيقي للشعب المغربي و المرأة المغربية، فبعد كل سنة قضتها سعيدة في الجامعة إلا و زادت من زخمها المعرفي و ازداد صلابة وعيها السياسي و التنظيمي، و مباشرة بعد تخرجها من الجامعة حاصلة على شهادة الإجازة الأساسية في الدراسات الانجليزية، بدأت مسارها المهني كمدرسة للسلك الإعدادي في مادة اللغة الفرنسية و بحكم ارتباطها بالنضال انتقلت بعد أوطم إلى النضال تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، هذه النقابة العمالية الذائعة الصيت آنذاك حيث تحملت كذلك المسؤولية فيها و دافعت عن العمال و العاملات انطلاقا من تشبعها و اقتناعها بإيديولوجية الطبقة العاملة الماركسية اللينينية كمرشد عمل، و شاركت في كل الأشكال النضالية آنذاك ما مكنها من التواصل مع مجموعة من المناضلين اليساريين حتى اقتنعت بضرورة النضال من أجل بناء الحزب الثوري القادر على تحمل المسؤولية مع الجماهير الشعبية إلى النهاية، أي إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية ذات الأفق الاشتراكي، بعدها ستلتحق الشهيدة بالحركة الماركسية اللينينية بالمغرب "منظمة إلى الأمام" لتجد فيها الحضن السياسي الحقيقي الذي احتضنها و احتضنته و دافع عنها و دافعت عنه باستماتة، لتتمرس أكثر في الحياة السياسية الثورية و ازداد ارتباطها بهموم الجماهير الشعبية مما أزعج النظام القائم، و جعلها تشكل إلى جانب رفاقها، تهديدا مباشرا لتواجده، لينتهي بها المطاف رفقة مجموعة من رفاقها و رفيقاتها في درب مولاي الشريف بتاريخ ١٦ يناير ١٩٧٦حيث قضت به ثلاثة أشهر، لتنهكها سياط الجلاد جسديا و تصلبها في المقابل معنويا، بعد أن حوكمت ب 5 سنوات بتهمة "تهديد أمن الدولة " لتصرخ بقاعة "المحكمة" في وجه (القاضي) صرخة مدوية "فاشيست" ليضاف لها حكم جائر ب سنتين سجنا نافذة ليصبح مجموعه سبع سنوات من السجن، فقابلت بعدها الرفيقة سعيدة المنبهي كل هذا بمعنويات مرتفعة و قناعات فولاذية، فكيف لا و جدران زنازين"سجن غبيلة" بالدار البيضاء لا تزال شاهدة على تعبيرات كتبتها الشهيدة بأظافرها، و لم تعتبر الرفيقة المنبهي السجن مكان لاستراحة محارب أو مكان للاستجمام بل شمرت على ساعديها و انطلقت في البحث والتعرف على وضع السجينات، وما يرتبط بهن من ظواهر ناتجة عن فساد و انحلال البنية الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، خاصة منها المتفشية في أوساط المجتمع (الدعارة نموذجا) فانطلقت الشهيدة في إعداد بحث و دراسة عن ظاهرة الدعارة و استندت في أبحاثها على شهادات حية للسجينات اللائي تقاسمن معها برودة السجن و قسوة السجان، فانتهت بإعداد بحث كامل عنونته باسم "حول العاهرات بالمغرب" و إصدار مجموعة قصائد من بينها "فتيات اللذة" و التي تعبر من خلالها على واقع يحاول النظام القائم و دواليب الامبريالية تلميعه رغم بشاعته، كما تؤكد أنه لا مفر عن المقاومة "لأجل الفلاح و العامل، لأجل حب الوطن" كما ذكرت ذلك في أحد أبياتها الشعرية.
و إيمانا منها أن طريق الخلاص يستوجب المزيد من بذل التضحيات لتحقيق الهدف المنشود خاضت الشهيدة سعيدة المنبهي إلى جانب مجموعة من الرفاق معركة الإضراب اللامحدود عن الطعام على أرضية مجموعة من المطالب على رأسها تحسين شروط الاعتقال الإنسانية داخل السجن ومطالبة بإطلاق سراحها و سراح رفاقها فانطلقت المعركة بتاريخ ٨ نونبر ١٩٧٧، لتعلن ميلادها الجديد بتاريخ ١١ دجنبر ١٩٧٧ لتدون بمداد الفخر أول اسم للمرأة الثورية الماركسية اللينينية بالمغرب و المنطقة ككل في لائحة النساء الشهيدات، فهكذا صنعت سعيدة المنبهي من نفسها النموذج الثوري للمرأة المغربية المناضلة و أصبحت ملهمة للثوار و قدوة لنساء المغرب خصوصا و العالم عموما لتصبح رمزا من رموز التضحية والوفاء للقضية والمبدأ ونبراس الحرية للأجيال الحالية و القادمة، سعيدة الموقف.. سعيدة القضية.
سعيدة المنبهي لم/لن تمت فتضحية الشهيدة سعيدة التي وصلت إلى قمة نكران الذات تضاف إلى مسار حافل بتضحيات المناضلين الشرفاء أمثال الشهداء (زروال، رحال، التهاني، دهكون، شباضة، الدريدي، بلهواري، بوملي، مزياني...) و التي بصمت تاريخ الشعب المغربي بمداد من الفخر و الاعتزاز، و برهنت برهانا ساطعا أن لا القمع و لا الاعتقال و لا الاغتيال قادر على إيقاف مسيرة الشعوب .
لقد تميزت تلك المرحلة بتجدر الوعي الطبقي داخل صفوف الطبقات الكادحة بالمجتمع المغربي قابلها تراجع الإيديولوجية الرجعية، فما كان من النظام القائم وحلفائه إلا أن واجهوا هذا المد الشيوعي بالقمع الأسود، ليثبت المناضلين الماركسيين اللينينيين قولا و فعلا عن جدارة بأن أيادي الجلاد الهمجية قد تطال الأجساد، لكن فكرة ضرورة و حتمية خلاص الشعوب من نير الاضطهاد و الاستغلال الطبقيين تظل خالدة، ليبقى هؤلاء الشرفاء و من بينهم سعيدة المنبهي، شموع احترقت لتنير درب التحرر، و الحقيقة سيظلون أحياء في كل من حمل هم القضية على عاتقه.
فها هي سعيدة الشهيدة تربط الماضي بالحاضر، وهاهم رفاقها بسجون النظام الرجعي يواصلون اليوم درب التضحية والصمود ويسيرون على نفس المنوال بخوضهم للإضراب المفتوح عن الطعام تعميقا لذات المسار الذي سقطت فيه سعيدة وآخرون.
و رحيق الكلام " تذكروها بفرح" لأنها قالت "تذكروني بفرح" ولا تنسوا أنه قريبا ستقولون جميعا يا ليتنا تذكرناهم بفرح.

نادية . مناضلة قاعدية
 

0 التعليقات:

إرسال تعليق