احتجاج التلاميذ اليوم يربط الماضي
بالحاضر، و في المقابل استمرار تخلف المناضلين الجذريين عن استيعاب الدروس
إن خروج التلاميذ اليوم بالمدارس
الإبتدائية و الإعداديات و الثانويات التأهيلية ومقاطعتهم للدراسة ونزولهم للشوارع،
احتجاجا على "القرار الحكومي" الأخير القاضي بالعمل بالساعة الإضافية
طوال السنة و اعتماد المؤسسات التعليمية جدولة زمنية جديدة، بناءا على "مذكرة
وزارية" أصدرتها "وزارة التربية الوطنية"، الجدولة التي دفعت
التلاميذ الصغار بمختلف شوارع المدن والقرى إلى الانتفاض تعبيرا عن رفضهم لها
ومطالبتهم بإلغائها و العودة إلى التوقيت العادي، هذا الواقع كشف لنا من جهة عن
تبلور وعي جنيني وجب التركيز على أولوية تطويره ليأخذ بعده النقابي و السياسي لدى
فئة عمرية مهمشة يصفها النظام ومنظري الهزائم بالمراهقين. وعي في صفوف جيل جديد لم
تنل منه كل أساليب النظام الهادفة لتدجينه و "تضبيعه" عبر مقررات فارغة
المحتوى، و إعلام موجه لطمس ملكات النقد و التحليل وإغراقه في عالم المخدرات
والكبت الجنسي، لقد كسر هذا الجيل كل التنظيرات الانهزامية و الإحباطية، و استطاعت
الشبيبة التلاميذية في خطوة غير متوقعة من قبل النظام و حلفائه، من اكتساح الشوارع
و الطرقات للتعبير عن رفض الشروط غير السليمة للتمدرس و في مقدمتها ترسيم الساعة
الإضافية، لما لها من تداعيات صحية سلبية على صحتهم من جهة و تأثيرها على مردودية
الأداء التعليمي و التعلمي للتلميذ والمعلم من جهة أخرى، و يثبت هذا القرار عدم مبالاة
و ارتجالية كبيرة في سلطة القرار من طرف من يدعون الدفاع عن المدرسة العمومية من
قبيل (إصلاح التعليم و الرفع من جودته، و محاربة الهدر المدرسي ...) ليبقى السؤال
المطروح: أهكذا تصنع مدرسة المعرفة، مدرسة قادرة على إنتاج أجيال قادرة على الفعل
و الإنتاج العلمي ؟ ألا يعلمون أن أطفالنا يقطعون أميالا و كيلومترات للوصول إلى
مدارسهم كل صباح وتحت الصقيع البارد وموجات الحر الشديد؟ ألا يشاهدون انقطاع آلاف
التلاميذ بالمناطق المنسية و المهمشة بمجرد تساقطات مطرية بسيطة كشفت عن عجز مهول
للبنية التحتية مما يعرض مداشر و عائلات للعزلة لأشهر طويلة؟ ولا بأس أن نلقي نظرة
بسيطة في معدل الهدر المدرسي سنويا و الذي وصل إلى 250 ألف تلميذ (ة) يغادرون
المدرسة كل سنة لظروف قاهرة ليلجوا عالم المصير المجهول و الغامض، ونعلم جيدا
مسببات هذه السياسة الطبقية الهادفة إلى الحفاظ على نفس علاقات الإنتاج السائدة و
التي يعمل النظام القائم على توفير خبراء و أخصائيين ضالعين في مجالات عدة لوضع
إستراتيجيات تعطيل أي فعل من شأنه أن يفتح أفق مشرق لشعبنا، و من بين أولى خطوات
الهدم المجتمعي تخريب التعليم والمدارس العمومية و هدم المنظومة التعليمية مما
يجعلها غير قادرة على الإنجاب والتربية السليمة، و رغم كل الجهود المبذولة من طرف
النظام للسيطرة و احتواء وطمس واقع معاناة الشعب فلم يعد بإمكانه التحكم فيه، و هو
ما أكدته و تؤكده اليوم الشبيبة التعليمية بمختلف بقاع وطننا الجريح والتي انفجرت
كالعبوة الناسفة، مما يضعنا أمام احتجاج يتجاوز مطلب "إسقاط الساعة الإضافية"
ليعبر هذا العصيان عن مدى سخط و غضب و جرأة جيل جديد في التعبير عن ما يعانيه شعب
بأكمله من تهميش و إهمال ممنهجين.
و في خضم هذه الاحتجاجات التلاميذية التي انطلقت
شرارتها الأسبوع المنصرم، سقط التلميذ " زهير الوكيل" شهيدا يوم الجمعة
بإحدى التظاهرات التلاميذية بمدينة مكناس بعدما دهسته سيارة مجنونة في الشارع
العام، و في خطوة أكثر إجراما عمد النظام القائم إلى إخفاء معالم الجريمة بنقل
جثمان الطفل الشهيد ليتم دفنه في سرية تامة و بدون حضور عائلته، وشكل هذا الحدث
المأساوي منعطف انطلاق جريمة القمع الدموي في صفوف التلاميذ بمجموعة من المدن
ليبرهن العدو و للمرة الألف عن تعاطيه الإجرامي في حق كل من قال "لا" في
وجه مخططاته الطبقية، مستفيدا من واقع الشتات والفراغ المهول وتراجع الحركات الاحتجاجية
وفي مقدمتهما حركة 20 فبراير والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب،
وغياب الأداة الثورية القادرة على تخليص شعبنا الأبي من قبضة مصاصي دمائه، أداة
ثورية حقيقية من أولوياتها الإنكباب على فتح الطريق الثوري، بعيدا على من ينصبون
أنفسهم ثوار العصر و منظري الثورة و شيوخها، وعرى هذا الواقع و كشف كذلك عجز الذين
يدعون الثورية والماركسية اللينينية في مواقع التواصل الاجتماعي
"الفايسبوك"، ويتخذون من المقالات المدبلجة بمفاهيم الثورة وعن ضرورة
النضال في سبيلها حتى أصبحت "بروفايلات" أصحابها وكأنهم قادة لأحزاب
ثورية، وهم في الحقيقة يحللون الواقع ويفككون تناقضاته في العالم الافتراضي وغير
موجودين في قلب الحركات الاحتجاجية والأشكال النضالية الحقيقية، حتى أصبح العجز عن
الفعل النضالي ينظر له من قبيل "غياب الحزب الثوري، الوضع معقد وغير ثوري، لا
نتبنى النضال الحقوقي،..." لدرجة أنهم نسوا ما قاله الرفيق العظيم كارل ماركس
بأن "الكثير من الفلاسفة فسروا لنا العالم لكن القليلون الذين أرادوا
تغييره" ويبدوا أن ثوار "الفايسبوك" اختلطت عليهم الأمور من كثرة ترددهم
على الشاشة الزرقاء و إدمانهم عليها، لدرجة أصبح الافتراضي هو الواقع و الواقع هو
الافتراضي لديهم فنقلوا معركتهم وصراعهم من حرائق الميدان إلى عالم "الفايسبوك"
وصفحاته، و انسحبوا من جبهة الصراع الفعلي الملموس إلى أركان عالمهم الأزرق مخافة
انكشاف عجزهم للجميع وربما قد يعلنون قريبا عن أطروحة جديدة والتنظير لممارسة
ونظرية "الفايسبوك ساحة الثورة الجديدة والطريق للتغيير الجذري".
لقد انعزل أصحابنا إلى الهامش الجديد على
أنهم ثوريون حقيقيون ودليلهم مقالاتهم المدبلجة عن الثورة وعن فساد النظام
الرأسمالي و وحشية الإمبريالية، لقد أعاد أصحابنا الصراع من جديد إلى السماء بعدما
أنزلته الماركسية إلى الأرض، وهذا ما يبرزه بوضوح خروج التلاميذ اليوم إلى الشارع
لوحدهم في غياب أي تأطير مما يطرح السؤال عن أين هم قادة ثورة العالم الأزرق لكي
يقودوا هذه الاحتجاجات و يؤطرونها ويمنحونها الوعي الجنيني بأبعاده السياسية
الصحيحة؟؟ ويسجل التاريخ تأخر مناضلوا أوطم بالعديد من المواقع الجامعية وغيابهم
عن الشوارع برفقة التلاميذ ضاربين عرض الحائط شعار لكل معركة جماهيرية صداها في
الجامعة، وهل نسوا أن الحركة التلاميذية كانت منضوية تحت لواء الاتحاد الوطني
لطلبة المغرب وجزء لا يتجزأ من الحركة الطلابية في الماضي؟؟ باستثناء طلبة ظهر
المهراز و تازة و القنيطرة بمجهودات بسيطة تبقى غير كافية وجب العمل على تطويرها،
ليبقى الجواب واضح هو أن أصحابنا شأنهم شأن قادة "أحزابنا الثورية" في
العالم الافتراضي، فبدل الخروج إلى جانب التلاميذ و تأطير احتجاجاتهم اختاروا أن
يغرقوننا بصور التظاهرات التلاميذية بالمؤسسات التعليمية ليقولوا لنا أننا موجودين
في كل معركة جماهيرية بنقلها من الواقع إلى العالم الأزرق .
ليبقى التأكيد هو أننا أمام فرصة تاريخية
جديدة نحو غد أفضل، وكل المؤشرات في صالحنا، فلننتبه جميعا إلى الأمر، و رجاءا كفى
من تضييع الفرص.
زبيدة. مناضلة قاعدية

0 التعليقات:
إرسال تعليق