27 نونبر 2017
السجن المحلي تازة
المعتقل السياسي: بلقاسم
بن عز
رقم الاعتقال :
76635
أنين الجياع والمقهورين
-صرخة من وراء القضبان-
ننسى همومنا
وآلامنا الموجعة، ننسى الجراح التي لم تندمل ليخترق ضمائرنا أنين الجياع الصادح في
سماء وطننا الجريح، ويبصم مرة أخرى على صفحة جديدة من صفحات الإجرام والرعب
الممتدة و المتواصلة في حق شعبنا الكادح، ومعه تصير الصدمات واقعا مألوفا، وأيادي
الموت تطوق رقاب بنات وأبناء وطننا، وتشكل بذلك وصمة عار على جبين النظام القائم
وأذياله الملتفة والمتملقة له. هن إذا نساء مكافحات وكادحات من أعماق المغرب
المنسي الذي لم تعد خارطته تقتصر على البوادي والقرى، حفر الزمن جباههن ودفعهن
الفقر وجوع فلذات أكبادهن إلى البحث عن لقمة لسد الرمق ملطخة بالدماء لعلها ترسم
ابتسامة على محيى صغارهن لأيام معدودات في انتظار رحمة السماء في بلد الفوسفاط
والبحار... حوله صناع الموت إلى مقبرة جماعية يتفنون في جميع أشكال القتل الممنهج والبطيء،
ويتفننون في تجهيز الثوابت والأكفان وقراءة الفاتحة، لستر جرائمهم عن أنظار العالم
ببرودة دم لا نظير لها. دكت جماجمهم وتناثرت أشلاء أجسامهن في منظر يدمي القلب ويساءل
مشاعر الغيورين من شرفاء هذا الوطن : إلى متى ستستمر هاته المآسي !؟ إلى متى سيظل الشعب
يتحمل استهتار ولامبالاة حفنة المرتزقة المتحكمة في البلاد والرقاب؟ وتقيده بأغلال
القضاء والقدر لتبرير واقع الجوع وشرعنة الادلال والخضوع.
صحيح أنهم
سيظهرون مشاعر الحزن والعزاء !! وسيتكلفون بالدفن !! ويفتحوا
تحقيق وسيتعقبه وعود بعدم تكرار ما حصل، وسيأتون إلى "البرلمان" لمسائلة
بعضهم البعض في مسرحية مفضوحة وباهتة فقط لامتصاص غضب الجياع. والحقيقة أنهم
ينتشون بالرقص على جثث الموتى ويتلذذون بآلام المقهورين والبؤساء، ولا يكترثون إلا
لمشاريعهم والثروات التي نهبوها من خيرات البلاد، ولا يطمئنون إلا لمستقبل أبنائهم
وزوجاتهم المدللات وعشيقاتهم، لا يهمهم إن كان الشعب يعاني جراء الفقر والعطش أو
البطالة أو الأمية أو المرض أو ...، طبعا فهم يعيشون في القصور والفيلات بعدما نهبوا
الثروة وأمنوا عليها حاشيتهم، ليرموا الفتات إلى الجياع في الوقت الذي سيجوا
قلاعهم بعصابات منظمة ومسلحة، وبسجون ممتدة ومتأهبة لاستقبال كل الرافضين والشرفاء
الذين طالبوا وناضلوا في سبيل الحرية و انعتاق هذا الشعب العظيم من ربقة مصاصي
دمائه.
ستستمر الفواجع
وسيتواصل الأنين مادامت شروط إنتاجها قائمة ولن ينعم هذا الشعب بحريته وكرامته
وعيشه الكريم وسعادته التي يستحقها بعد أن ضحى وضحت الأجيال التي سبقت بدمائها
وحريتها من أجل انتفاء هذه الشروط وزوال نظام اجتماعي عفن، شعب يستحق الكثير وليس
في حاجة إلى الصدقة أو ما يسمى "
الإحسان العمومي" المؤطر عادة بخلفيات دنيئة يمعنوا أصحابها في إذلال الفقراء
واستغلال جهلهم وحاجتهم لقضاء مآرب خبيثة.
شعب لا تنتظر نسائه البريئات والمنكوبات
بأحزمة الفقر والبؤس في طوابير العار"للظفر" بكيس من الدقيق تحت
صقيع السماء في مشهد مخزي لم نألفه إلا في البلدان المنكوبة ويذكرنا بمآسي
"كوسوفو" و"أقلية الروهينغا"، مع أن لا شيء يجعلنا نضع فارق
بين واقعنا وبينهم، فإن كانت الحرب مباشرة هناك، فهنا حرب مستترة ومدمرة تخوضها
عصابة قطاع الطرق على شعب بأكمله، بإعدام شروط الحياة الكريمة وترك الجماهير
المسحوقة تستنجد الصدقة والشفقة لسد رمقها وتعليم أبنائها، حرب تمارس بشكل يومي
بطرق متعددة وذات هدف واحد، والحرص الشديد
على إبقاء الجماهير مخدوعة في حقيقة وطنها. بعيدة عن إدراك سبل الخلاص من فقرها
وتعاستها، حرب تشن في المساجد والزوايا وفي المدرسة وعبر الإعلام الرسمي المأجور
الذي احتله الجنود/المحللين من يتوهموا امتلاك القدرة على إقناع الآخرين بفصاحة
رديئة جديرة ببغاوات ثرثارة.
هو إذن مسلسل
الإجرام لا ينتهي، ومسيرة الشعب في اتجاه تحرره لن تتوقف مهما حاولوا تظليل
الجماهير بالترويج لاستقرار مزيف وبعهد جديد انطلق بناءه، والأكيد أن هذا اليوم قد
سقط وتهدمت كل الخطابات الديماغوجية التي
رافقته وما نعيشه اليوم وأمس وسنعيشه غدا يؤكد ما سبق وقلناه ونردده ودماء نساء
"بولعلام" الصويرة وانين صغارهن الموجع شاهد على ذلك .
لسنا بهذا
عدميين أو ننظر للحياة بعين سوداوية داخل "أجمل بلد في العالم" فجميع
مناحي الحياة التي يمكن أن توفر شروطا تمكن الأفراد من تطوير نمط عيشهم إلى نحو
متقدم يماثل تطور العصر، متردية ومقلقة لدرجة كبيرة، لم يعد بالإمكان تحملها ولا
تبعث عن الارتياح، وهذا القول ليس من وحي الخيال، وحتى الأرقام والمؤشرات الرسمية
تقر بذلك رغم أنها لا يمكن أن ترسم الحقيقة كاملة على حجم الاستغلال الممارس في حق
الشعب وصعوبة العيش إلى مستوى أصبح معه توفير أبسط شروط ومقومات الحياة تدخل في
خانة الأحلام. لقد تم تخريب كل شيء وإرسال الجميع إلى الجحيم من اقتصاد متخلف إلى
تعليم فارغ وثقافة منحلة و تكريس للاستلاب...، في مقابل محاربة الفكر والفلسفة
والعلم، يعدمون الطاقات الإبداعية للشباب ويتركونهم يركبون قوارب المجهول.
و كأي نظام ديكتاتوري
تزعجه الحقيقة، حقيقة أننا في بلد يعيش على نمط حياة القرون الوسطى، فإنه سيلجأ إلى
كل الوسائل والطرق البائدة لتزييف الحقيقة وإخفائها عن عيون الجماهير، كتلك العجوز
الثرية المصابة بفوبيا الشيخوخة، وتحاول جاهدة الاستعانة بآخر ما في مستحضرات
التجميل لإخفاء التجاعيد وترهل جسدها،
والأمر لا يقف عند هذا الحد، فحتى لما يستعصى الحال على حجب الواقع الحقيقي
وتنتفي إمكانية إخفائه لما أصبحنا نشاهده باستمرار من تمظهرات داخل المجتمع، يتجند
جمهرة من الدجالين و ينطقون بإسهاب طنان في "تفسيرات" تقف مع الواقع على
طرفي نقيض، لإخلاء ذمة النظام ومؤسساته من المسؤولية في هذا الوضع المتردي المفضي
إلى إنتاج هذا الواقع المأساوي والمفجع، وإلقاء اللوم على الفرد نفسه. فلا يمكن
لكل واحد يطمح إلى التغيير و تحسين مستوى عيشه في نظر هؤلاء الدجالين إلا إذا غير
ما بنفسه أولا !! هذا لسان حال المشعوذين
الذين أصبحوا يحتلون جميع المنابر الإعلامية ومتأهبين دوما لإتقان الأدوار المنوطة
بهم من طرف النظام. أما السؤال عن هذا الشيء الذي يمكن أن يغيره الناس في أنفسهم
حتى يتقدموا ! فالجواب
عليه عند أصحاب الجباه العريضة والبارزة ممن لا يحمر لهم وجه وهم يرددون هذا
النهيق الحميري. وهكذا يتم التعاطي مع الأحداث و التمظهرات التي يفرزها الواقع
الموضوعي المعاش المنبثق حقيقة عن نمط إنتاج يقوم على استغلال الأقلية للأغلبية
الساحقة اقتصاديا بشكل رئيسي وانعكاس ذلك
على الحياة المادية للأفراد ثقافيا وسياسيا وروحيا، حيت يتم تغييب الأساس المادي
في إنتاج هذا الواقع وتناوله بشكل سطحي بالانصراف نحو محاكمة النتائج المباشرة.
وهي الإفرازات التي نصادفها بشكل يومي، وصرف النظر عن المولد الحقيقي لهذه النتائج
التي لا يخرج نطاقها عن الفقر والأمية والبطالة والهجرة، والمعاناة اليومية للعمال
ومآسي الفلاحين والطلبة والمعطلين المشردين ...عفوا !! على
الفلاح في هذه الحالة أن يغير ما بنفسه لتمطر السماء ذهبا وينتعش زرعه !! فحين يتم الحديث عن الهدر المدرسي وارتفاع نسبة
"الجريمة" وتعنيف التلميذ داخل المدرسة أو العكس فالأكيد أنهم يعزون ذلك
إلى "المواطن" نفسه مع تلفيق كل المصائب إلى الأسرة والشارع وانعدام الأخلاق
والتربية ... ولا يقال شيء عن أن هؤلاء الناس أنفسهم نتاج علاقات اجتماعية قائمة
تكرس الفوارق الطبقية لصالح أقلية تستأثر بالثروة والعلم .. وتقدم كل ما هو مبتذل
ورجعي من ثقافة منحلة وفن رديء وقيم متفسخة إلى جانب تعليم متخلف عن ركب العصر رهنا
لحاجياتهم وما تتطلبه مشاريعهم من يد عاملة "متدربة"، وللحفاظ على سيطرة
إيديولوجية الطبقة السائدة، بعيد كل البعد أن يخدم مصلحة التلميذ والطالب في تطوير
معارفه ومداركه، ومن تم تطور المجتمع بأسره، أما الحديث عن انهيار القيم الذي أصبح
مثار نقاشات مستفيضة في الظرفية الراهنة فلا يختلف في شيء عن ما سبق ذكره فلا
يعدوا كونه سببا موضوعيا لمسار طويل من تحلل المجتمع الذي ساهمت فيه عوامل عديدة
انطلقت مع بداية الهجمة الواسعة على الفكر التقدمي من داخل الجامعات وخارجها لما لقي
من استئثار كبير لدى الجميع من شباب، مثقفين وأساتذة، وأثر ذلك لدى باقي الفئات
داخل المجتمع، في مقابل فتح الطريق أمام الخطاب الديني للتغلغل وسط المجتمع لتكريس
الاستلاب وإطالة أمد الخضوع للعلاقات الاقتصادية الاجتماعية السائدة.

0 التعليقات:
إرسال تعليق