الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

12 دجنبر 2017// المعتقل السياسي: طارق حماني// رقم الاعتقال:70421// السجن المحلي بتازة// نظرة المجتمع إلى المرأة ... معيار وعيه وتقدمه.

12 دجنبر 2017
السجن المحلي بتازة  ــ المغرب ــ
المعتقل السياسي: طارق حماني
رقم الاعتقال:70421
نظرة المجتمع إلى المرأة ...
معيار وعيه وتقدمه


لقد تطرقت في مقال سابق حول الثقافة باعتبارها تدخل في تشكيل البناء الفوقي للمجتمع، علما أن هذا الأخير تربطه علاقة جدلية بالبناء التحتي، تطرقت إلى ما تحمله الثقافة القائمة داخله من تناقضات محتدة، تعبر عن التناقض القائم في أساس المجتمع الاقتصادي الاجتماعي، بما هي إلا تجلي له، وهي بذلك يتناقض بداخلها قطبين أساسيين، الثقافة المنحلة الرجعية القديمة والثقافة المتماسكة المتنورة الجديدة التقدمية. الأولى هي السائدة والمدعومة من طرف القوى الاجتماعية السائدة عن طريق مؤسسات النظام القائم، والمؤسسات التي يقيمها ويحافظ عليها داخل المجتمع، ويعيد انتاجها، أما الثانية فهي المنشودة من طرق القوى الاجتماعية الصاعدة الطامحة إلى التقدم والتغيير نحو وضع أفضل، والتي تخلق وتتبلور أثناء النشاط العملي للجماهير الشعبية الخالقة للخيرات، وهي ثقافة تحتل موقع مهمش ومقصي، وبذلك فهي تحتل مكان مهم في جدول عمل ونضال القوى الاجتماعية الثورية، التي تطمح إلى تسييدها وتحويلها إلى واقع معاش، في متناول الشعب العامل وفي صلب تكوينه وتربيته، ومساهمة في تشكل وتكوين وعيه العام الجمعي، مما ينعكس على أسلوب حياته وعمله ومستوى عيشه،...
ولهذا فالثقافة السائدة داخل مجتمع ما يمكن أن ترسم فكرة عريضة عن الواقع وتلخص لنا مستوى ونمط حياة هذا المجتمع، وفي أي درجة من التطور هو، وفكرة سليمة عن مضمون فعل مؤسساته التي يقف عليها ويرعاها النظام السياسي، ويعيد إنتاجها داخل هذا المجتمع والتي تستطيع ردها إلى الأساس الاقتصادي الاجتماعي الذي ينتجها، وفي نفس الوقت يتجاوزها في صيرورتها. وإذا كان ماركس قد قال: " كما لا يمكننا أن نحكم على شخص بما يقوله عن نفسه فكذلك لا يمكننا الحكم على عصر انطلاقا من وعيه." ذلك أن الثقافة السائدة، تخفي وتحجب عنا جانب ومكون آخر من الثقافة القائمة داخل المجتمع، وتعيق تطور وانتشار المكون والجانب التقدمي الإنساني من هذه الثقافة القائمة، المعبرة عن النشاط الجماعي الجماهيري، عن هموم الجماهير الشعبية وتطلعاتها وتصورها للواقع القائم، وعلاقاتها بالطبقة والفئات المستغلة السائدة.
وفي جانب من هذه الثقافة، يمكننا أن نأخذ كمثال بارز وحيوي يلخص محتوى الثقافة المنحلة الرجعية القديمة السائدة داخل المجتمع، والتي تساهم بشكل كبير في إعاقة تقدمه وتطوره والتغيير نحو أوضاع اجتماعية أرقى، وتكرس تخلفه والمحافظة على أوضاعه المزرية، وهذا المثال هو: نظرة المجتمع إلى المرأة.
فالنظرة السائدة إلى المرأة داخل المجتمع هي نظرة رجعية دونية تحط من قيمتها وقدرها الحقيقيين، وتبخس دورها وعملها الاجتماعيين، وتلحقها بالرجل وتجعلها كتابع جامد له، ما عليها إلا الانقياد خلفه وطاعته وتلبية طلباته، لتكون بذلك مفعول بها لا فاعلة، سواء في البيت في علاقتها بالأسرة أو خارجه في علاقتها بباقي مؤسسات المجتمع، تبخس قيمتها ودورها في التاريخ.
لكن قيمة المرأة كإنسانة وكنصف المجتمع، ودورها ونشاطها وعملها رغم كل القيود التي كبلت تفكيرها وعملها وسلوكها ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخر، تفوق وتتجاوز أسوار حصون الاقطاعية الظلامية المفترسة لجسد المرأة والمستغبية لفكرها وعقلها، وتخرق وتميط ستار زيف التحرر البرجوازي الواهي المكرس لعقيدة المرأة الجسد، وتطرح بإلحاح النظرة الإنسانية، التقدمية لقضية المرأة، من خلال نشاط المرأة العملي ومساهمتها القيمة في تقدم البشرية، ودورها وعملها الذي لا يقل أهمية عن دور وعمل وإسهام الرجل، والذي كثيرا ما يبرز إبان المحطات والفترات المتوترة والثورية أو المتأزمة من حياة المجتمعات، حيث تفرض الحلول الثورية العملية استدعاء والتأكيد على نشاط المرأة الجسدي والفكري بإلحاح، ويتطلبها الفعل الجماهيري، إذ تفرض الضرورة التاريخية النظر والتعامل مع المرأة كإنسانة على نفس القدر من المساواة مع الرجل في جميع الحقوق، فكل الفوارق والتناقضات التي كرست بين المرأة والرجل قد خلقتها وصنعتها مؤسسات المجتمع الثقافية الإيديولوجية القانونية عبر عصور سيطرة الرجعية، التي غيبت وأقصت المرأة وإنجازاتها ونشاطها، واحتقرتها وشوهتها، ضدا على طبيعتها، وكبلتها وأخرستها.
وفي أحد الجوانب الأساسية من جوانب مساهمات المرأة، والمتمثلة في المساهمة النضالية من أجل تغيير وتحويل الأوضاع المجتمعية القائمة، حيث أثبتت العديد من المحطات العاصفة والحاسمة في التاريخ أنه كلما كانت مساهمة المرأة قوية كماً ونوعاً فيها، كلما كانت هذه المحطات أكثر مشاركة جماهيرية، وتشبث بالأهداف وتأثير قوي في مجرى الأحداث وتطورها. والتاريخ ويخلد ويثبت هذا خاصة إبان الثورات الاجتماعية الكبرى التي كان لها وقع قوي على تقدم التاريخ البشري ككل، كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية.
وقد أثبتت المعارك النضالية الشعبية بالملموس وبدون أدنى لبس سقوط وتحلل إندثار تلك النظرة الدونية التنقيصية ضد المرأة من طرف المجتمع الذكوري، من طرف الرجل ومن طرف المرأة نفسها إلى ذاتها إلى نشاطها العملي والفكري، وإلى نشاط الرجل داخل مؤسسات المجتمع بدءا من مؤسسة الأسرة، إلى باقي المؤسسات المجتمعية (سياسية (مؤسسات الدولة)، ثقافية، اقتصادية...)، وحتى منها تلك المحطات الأكثر قساوة ودموية التي كان يتفجر فيها الصراع الاجتماعي الطبقي في شكل حروب، أو في الحروب الاستعمارية، فقد دونت المرأة المناضلة المرأة المكافحة المقاومة صفحات من المجد والبطولة، صفحات تنبض بأجل وأجمل تجليات وصور ومظاهر التضحية ونكران الذات، والإبداع والاستماتة في الدفاع عن خندق الإنسان الكادح.
سواء في التاريخ القديم (حرب قرطاج مثلا،...)، أو في التاريخ الوسيط، أو التاريخ الحديث (الثورة الفرنسية، الثورة الروسية،...، فيما يخص الحروب الطبقية داخل مجتمع محدد) أو حرب الفيتنام، وحروب الاستقلال الوطني ككل، فيما يخص حروب الاستقلال من نير الاستعمار الإمبريالي.
وجبال الأطلس المغربية شاهدة بشموخها وصلابتها، شاهدة على محطات تاريخية مشهودة قاسية بمشاركة المرأة ببطولة ونكران ذات إلى جانب الرجل المقاوم وبدون أي مركب نقص، أو رفض للمشاركة الميدانية القتالية من قبل المجتمع الذكوري أو الرجل، الذي يتبدد لصالح المجتمع الإنساني في مجرى نضال الجماهير الشعبية المقاومة من أجل استرداد أرض الوطن وتحريرها من سيطرة الاستعمار، والتي كانت بشكل عملي موضوعي جدلي تلقائي تحررها أيضا من النظرة الدونية التحقيرية الإختزالية للمرأة كجسد فقط، مضاف إليه بعض العواطف والأحاسيس التي تسمها بالنقص، والتي تقتل فيها وتضمر داخلها كل إمكانات الخلق والإبداع والتشييد لصالح المجتمع والإنسان، بدل النظر إليها باعتبارها كما هي فعلا كجسد وفكر/ عقل وإحساس كل منصهر في مركب جدلي من كل هذا يصنع منها المرأة الإنسان، حيث حملت المرأة البندقية وقاتلت خلف نفس المتراس إلى جانب الرجل ضد جنود الاحتلال الإمبريالي الفرنسي والإسباني، وتحملت رصاص البنادق وقصف الطائرات والمدافع، وأسعفت المصابين، ومدت المقاتلين بالمؤونة، وكانت تأخذ مكان الجنود المصابين خلف المتراس. لكن للأسف، وسط موجة عاصفة من النكوص والتراجع رافقت سيطرة القوى الرجعية، بعد طرد الاستعمار المباشر أنقلب كل شيء وبدل أن يتم الإعتراف للناس، رجال ونساء، الذين حرروا البلاد بدمائهم المهروقة وأطرافهم المبتورة، وأملاكهم المسلوبة، وقع التنكر، وطرحت الرؤوس التي رفضت أن تنحني للاستعمار المباشر، طرحت أرضاً، ونكل بها. وبدل أن تتم مواصلة الطريق والكفاح نحو المغرب المنشود جرى ليّ الدراع والانقلاب على القوى المجتمعية الشعبية، وعلى مشروعها ونهجها وأهدافها ورموزها ومكوناتها، وممن تم الإنقلاب عليه المرأة المغربية المقاومة مباشرة بعد 1956، جرى الإنقلاب ضد المرأة المغربية الكادحة في كل بيت، وتم تدمير كل ما راكمته إلى جانب الرجل إبان ملحمة الكفاح ضد نير الاستعمار المباشر، كل ما راكمته فكرا وممارسة. فحولت المرأة من مقاومة ومكافحة إلى ذات عاجزة، عالة، كتلة من النقص والسوء، تحولت إلى عورة "وضلع أعوج"، تم التنكر لكل مجهودها وعملها التاريخيين، فأصبح شيئا فشيئا مجرد الجلوس إلى جانبها مقرون بالخطيئة والشر وعمل من وسوسة الشيطان، دمر ما راكمته في هذا الجانب وراكمه المجتمع المغربي ككل بتأطير من القوى المتقدمة للشعب المغربي خاصة المقاومة المسلحة وجيش التحرير والأجنحة التقدمية من الأحزاب الوطنية أنذاك، إلى أن صار اليوم من يعتبر جلوس طفل إلى جانب طفلة في فصل الدرس، بالمدرسة المغربية، خطيئة وتربية تخالف تعاليم الدين والتقاليد والحشمة !! فحمله الفكر الظلامي الذين كانوا زمن الاستعمار يلوذون بالفرار من الواقع الدامي والمستعمر، حماية لجلودهم وأرواحهم، ويمكثون بالزوايا والأضرحة يرددون بفشل "دعاء اللطيف"، كما كانوا يفعلون في ضريح "المولى" إدريس بفاس، بل ومنهم من تواطأ مع المستعمر، في الوقت الذي كانت المرأة الكادحة تضحي بحياتها وفلذات كبدها في سبيل حرية الوطن، حملة الفكر الظلامي هؤلاء أحفاد ظلامي الأمس استيقظوا وخرجوا من الأضرحة كأشباح الليل ليعطوا للشعب الدروس في الحلال والحرام والأخلاق والحشمة والتدين وشرح الإسلام، أخفوا عنا كل التاريخ النير للمرأة (1)، ومنحوا لنفسهم الحق في ممارسة الوصاية على حياة أبناء الشعب وأخلاقهم حتى وهم أطفال أبرياء، كما فعل أحد "المعلمين"/ الظلاميين بإحدى المدارس. (ومن يدري ماذا سيفتون في الغد.) عندما منع في فصل الدرس جلوس طفل إلى جانب طفلة في نفس المقعد.
إن المعارك النضالية الجماهيرية إلى اليوم شاهدة على مشاركة المرأة، وأهمية هذه المشاركة بالنسبة للمعارك النضالية الشعبية، إذا ارتبطت جماهيريتها وقوتها بدى وقوة ونسبة مشاركة المرأة بها، وكلما كانت هذه المشاركة من جانب المرأة قوية ومنظمة كلما تراجعت واندثرت النظرة الدونية ضد المرأة وأثبت أن الفروق بين المرأة والرجل التي يتم رفعها في وجه المرأة المطالبة بالتحرر والمساواة ما هي الا عراقيل وقيود وأساطير مصطنعة أنتجت من طرف مؤسسات اجتماعية معينة ضد الجماهير الشعبية، ضد الرجل والمرأة في نفس الوقت، وليس ضد المرأة وحدها، ضد الانسانية.
ففي أعماق المرأة / الانسان الخاضعة المستلبة المضطهدة من طرف المجتمع الذكوري الا ما نذر وقل وفي حالات معدودة، تكمن المرأة الثائرة المنتفضة التي لا محال ستنفجر الى جانب الرجل في وجه المجتمع الذكوري، وفي وجه التقاليد المنحطة وأحقاد العنصرية الجنسية.
فالمرأة في أقاصي المناطق المعزولة والبقاع المتخلفة المقهورة تنظر بإصرار الى واقع المرأة / المستقبل بالبلدان المتقدمة وتقول لماذا؟ بل ولا محال ستضع قدمها على الطريق المؤدي الى واقع متقدم وأكثر انسانية على كل ما هو قائم في عالم اليوم.
لا بد من التأكيد على أهمية العوامل الثقافية التربوية في القضاء على النظرة الدونية التحقيرية والاختزالية للمرأة في المجتمع، وبالتالي النظر اليها كإنسانة من خلال محاربة الثقافة السائدة التي كرست هذه النظرة، ونشر وتلقين و التنشئة على ثقافة، جديدة تقدمية ذات مضمون انساني، يستند الى المحصلة النيرة و المتنورة من الثقافة الشعبية، لكل ما هو تقدمي انساني منها، وكذلك الى ما راكمته باقي الشعوب في هذا الجانب، وهذا الجانب أو المدخل للتغيير يمكن أن يباشر بدون انتظار، أي بدون الإخلاص الميكانيكي للمداخل الاساسية والحاسمة للتغيير، والتركيز فقط على حدوث التغيير على المستوى التحتي للمجتمع أي اقتصادية اجتماعية في شكل فهم بسيط للديالكتيك، أو للجدل المادي داخل المجتمع، بل يمكن أن تتقدم مكونات البناء الفوقي مجتمعة أو بعض منها، فيما يخص نقد الواقع القائم واستشراف البدائل الممكنة ومداخلها، تبعا بطبيعة الحال للوضع الملموس للواقع، وهنا تكمن أهمية الوعي بالنسبة للواقع وللتقدم والتاريخ.
فيمكن أن يتقدم الوعي على الواقع، انطلاقا من محصلة الوعي والواقع القائم والسابق، بل و أن يحصل على مكان له في التطبيق والتفعيل في ظل الواقع القائم، وأن كان في جوهره وأهدافه يقوم ضد هذا الأخير، أي أنه يروم وينشد اقامة واقع جديد تقدمي نوعي على ما هو قائم، فهذا الفعل يستند الى قانون التراكم، في علاقة الجزء بالكل، فدائما توجد الإمكانية لتحقيق وتفعيل أجزاء، وأن ليس بالصورة المنشودة بالتمام، من المشروع البديل في ظل البنية التي يقوم ضدها، في أفق تحقيق التغيير الشامل و الجدري، مع تطور التراكم الى مستوى أحداث القفزات التاريخية الثورية نحو بنية أو نظام بديل.
فإذا كانت العوامل الاقتصادية الاجتماعية هي المحددة في الصيرورة التاريخية للمجتمعات، فان العوامل السياسية الثقافية، ليست مجرد تابع منفعل لهذه الاخيرة في مجرى الصيرورة، بل لها دور مؤثر ويصبح لها دور حاسم في مستويات محددة من تطور الصراع الطبقي في قلب البنية القائمة، على كامل النظام الاقتصادي الاجتماعي السياسي الثقافي. وهو ما سيساعد على الحسم في الانتقال نحو أوضاع اجتماعية اقتصادية ثقافية سياسية نقيضة لتلك التي قامت عليها النظرة الدونية ضد المرأة، والتي عملت (الاوضاع) على تكريس هذه النظرة والحفاض عليها، بما يلائم مصالحها (القوى الاجتماعية المستفيدة)، التي يستدعي بقائها ابقاء الاستغلال والاخضاع والاستعباد للقوى الاجتماعية الشعبية العاملة، ومنها قوة المرأة نصف المجتمع ومربية كل افراد المجتمع.
فإبقاء المرأة محيدة عن ممارسة النضال وخارج كل الحسابات التي تجعل منها قوة مؤثرة في مجرى الأحداث المجتمعية (سياسيا، ثقافيا، فكريا، قانونية، اقتصادية)، وابقائها مستغبية، مبلدة، منشغلة باهتمامات محدودة في المكان الزمان التاريخ، كالاهتمام بجوانب محددة من الخدمات الاجتماعية داخل مؤسسة الأسرة، وليس أبعد من ذلك، نحو الممارسة والوعي بقضايا المجتمع، والانسان. فهذا تعتبره القوى الاجتماعية، المسيطرة المحافظة، ربحا كبيرا ورهانا أساسيا للحفاظ على الاوضاع القائمة داخل المجتمع. وقد كان كلام عبد اللطيف اللعبي معبرا حينما قال "في يوميات قلعة المنفى": "ان تاريخ المرأة هو أطول عذاب وأبشعه في المجتمع الطبقي. ولكن صحوة المرأة، وعملية اعادة النظر في النظام المجتمعي التي تقوم بها هي الأشعة الأكثر اشراقا واضاءة لطريق المستقبل. فعندما تتحرر المرأة، تنفد نظرتها الى الأبعد والأعمق. وإذا كانت المرأة تحمل على كتفيها نصف السماء، فإنها تسمح حسب رأيي، وبفضل تجربتها الخاصة، بإنارة أكثر من نصف الليل، ليل المجتمع القديم / الجديد ببشاعته وجبنه.".
فإخضاع واستغلال وتكبيل المرأة فكريا وماديا هو استغلال وشل لنصف المجتمع ولمربية أفراد المجتمع، ومن ثم فهو إخضاع وشل للمجتمع بأكمله، إعاقة له، إعاقة لحركة تقدمه وكفاحه ضد الشروط والظروف القائمة المزرية المستعبدة والمستغلة للإنسان الكادح، وجعله لا يقف إلا على قدم واحد مصاب، جعله لا يوظف إلا يد واحدة، ونصف دماغ، ونصف الحواس، لكن في هذه الإعاقة والشل لنصف المجتمع عن أن يقوم بمهام التقدم ليصير بذلك توظيف متكامل ومتناسق وفعال لاستغلال لنصفي المجتمع المتلاحمين، لصالح القوى الاجتماعية المحافظة المسيطرة في ظل علاقات الإنتاج القائمة على الاستغلال الطبقي.
أي أن الإعاقة والشل يستهدف منع القيام بوظائف محددة وليس كل الوظائف، منع المرأة من أن تساهم إلى جانب الرجل، (وحتى دفع الرجل) إلى/ في وعي الواقع ونقده، واقع الاستغلال والاستعباد والاضطهاد للجنس البشري من قبل حفنة من المتسلطين داخل كل مجتمع. ومن أن تساهم في اكتشاف وتطوير وتجسيد البديل المناسب نظريا وواقعيا، علاقات إنتاج بديلة غير استغلالية مناسبة للقوى الاجتماعية العاملة لكي تحقق الإزدهار والتقدم في صالح الإنسان. وأن تساهم كذلك في خلق وتمتين آليات وجسور المرور نحو إقامة البديل المنشود على أنقاض وخراب شروط وظروف الواقع اللاإنساني الذي يعيق ويمنع إنبثاق مجتمع الإنسان الخالي من الاضطهاد، الخالي من تدنيس واستغلال وتبخيس وتسليع إنسانية الإنسان. أي منعها من أن تساهم في التغيير وفي بناء أركان مجتمع أكثر إنسانية، ولكن هذا المنع والسّد عن هذا الجانب، وفي نفس الوقت وبشكل مباشر يدفع المرأة/ نصف المجتمع نحو الاستمرار في القيام بالوظائف النقيضة لكل هذا، دفعها وإبقائها مستعبدة، خاضعة، محدودة الطموح، مستغلة، بضاعة، مستسلمة، راضية بالتقسيم الاجتماعي للعمل، ومسلمة به على أنه طبيعي، غير معترف بدورها في المجتمع، ولا بثمار قوة عملها المنهوبة، موسومة بالبلادة والضعف والإنحراف والنقص، لا يمكنها أن تعيش إلا وهي معتمدة على الرجل الذي يمنحها قيمتها، عيشها، جوهرها، أخلاقها، قيمها، معنى لحياتها، والرجل هنا ليس أي رجل، إنه المجتمع الذكوري، مؤسسات المجتمع الاستغلالية القائمة منذ التاريخ البعيد، منذ عصور خلت، على الفكر الذكوري، على الثقافة والمنطق الذكوريين، وجعل المرأة تجتر الأدوار والثقافة والتصورات التي تعيق إقامة مجتمع بديل إنساني، والتي تبقيها خزان وبوثقة لصهر وإعادة تشكيل نفس التصورات الخاطئة والأدوار المعيقة الرجعية، عن طريق التربية والتنشئة في صيرورة مرورها بالمؤسسات الاجتماعية المختصة، ثم، في نفس الوقت، من خلالها كذلك تلقن هذه التصورات إلى الأبناء والأجيال الصاعدة انطلاقا من وظيفتها داخل الأسرة، حيث تساهم بدورها وبدون وعي في إعادة إنتاج وتلقين نفس التصورات.
وصعود أي منطق آخر، أي ثقافة وفكر ووعي مناقض لما هو سائد، مناقض للمنطق الذكوري، يعني تحطم هذا الأخير ومسخه وتحلله وتعفنه كجثة ميتة فقدت الحياة، فلم يبقى أمامها سوى أن تتحلل بعد أن أنهكها الزمن وتجاوزها الحركة. ويُعترف دون تجبر فارغ بأن كل البنيان الذي شيده الإنسان منذ بروزه على وجه هذه الأرض قد كان ولازال وسيظل محمولا على ركيزتين من لحم ودم وعقل وإحساس هما: المرأة والرجل.
وقد تسلط الضوء مرّة إلى الأبد على جانب البنيان الذي تقف فيه المرأة رافعة إياه إلى السماء، بعد أن بقي لعصور هذا الجانب مظلم، غير مرئي، أو أظلم عمدا، حجبت عنه الأضواء، ولم تسلط إلا على الجانب الذي كان يقف فيه الرجل، فبدى كأنه فعلا العامل الوحيد، والمشيد الوحيد والحامي الوحيد للبنيان الاجتماعي، بدى كأنه الإلاه أطلس يحمل كل العالم فوق كتفيه. لقد انهارت الأسطورة، وآن لغطرسة المؤسسات الذكورية أن تنهار، ففي كل تلك العصور التي أطلت فيها ناحية المرأة، كانت هذه الأخيرة واقفة، عاملة، مفكرة، مربية، متألمة، مسبية، صبورة، مبدعة، شامخة، إلى جانب الرجل تسنده وتسانده في رفع البنيان الاجتماعي شيئا فشيئا، خطوة خطوة نحو أعالي سماء الإنسان.
لقد تسلط الضوء على هذا الجانب المظلم من تاريخ الإنسانية، تاريخ عمل ومساهمة المرأة، ولازال يخترق بأشعته كل السراديب المعتمة منه، ويكشف الحقيقة، فقط يجب فتح العيون لمشاهدتها ومن ثم إعلانها، وإن كان الكثيرون يغمضون عيونهم عنها، ويحاولون طمس عيوننا، بخطابات تكرس الظلام والاستغلال والاستعباد لنصف المجتمع، وبالتالي لنا جميعا نحن أبناء الطبقات الشعبية المضطهدة.
ليس في صالح الرجل الكادح أن تقصى المرأة، أن تستغل المرأة، أن تعاني وتتعذب وتحتقر المرأة، ليس في صالح الرجل الكادح ولا في صالح مجتمع ينشد الأفضل أن تبقى المرأة جاهلة، مقصية عن مزاولة وظائف وعمل ومسؤوليات داخل كل مؤسسات المجتمع على قدم المساواة مع الرجل، لا معيار للتمييز في ذلك غير الكفاءة والتضحية والكد والعطاء والخلق والإبداع. ليس في صالح الرجل والمجتمع أن تبقى المرأة موسومة بالبلادة والضعف والخرافة والسعر و''بالعورة" والإغواء والجنس، وبالنقص في العقل، (فعلى الجميع أن ينتبه ويستوعب أن الأم هي امرأة، وأن المدرسة هي المرأة)، بل من مصلحة الرجل والمجتمع أن تتحرر المرأة، أن تتحرر قوة العمل والخلق والإبداع المجهضة والكامنة والمخمدة في داخل المرأة، أن تتحرر طاقاتها الإبداعية وقدراتها العقلية والعلمية لتساهم في تشييد مجتمع الغذ الذي لن يكون قادرا على استيعاب وإحتضان وضع نصف مجتمع معطل معطوب. إن تحديات غذ الإنسان لا يمكن أن تذوبها غير وحدة متساوية للعمل بين الرجل والمرأة الواعيين المتحررين.
ويمكننا أن نستوعب السرعة التي سيتقدم بها المجتمع، وآفاق التطور التي سيبلغها لو وظف المجتمع كل طاقاته، لو استخدم طاقة المرأة في كل المجالات، عندما نعرف ما حققته نماذج من النساء، تحدين الظروف وتفوقن العطاء والإبداع والعمل، رغم القيود الحالية، وإن كانت مجتمعات محددة قد قطعت أشواط مهمة في تقدير عمل المرأة، وذلك في مجالات متعددة علمية وفنية وتقنية وسياسية وفكرية...، من اكتشافات واختراعات وتشييدات وابتكارات في علوم ومهام عدّة: علم الفلك واكتشافات المجرات والفضاء، واكتشاف خبايا المادة غير الحية الدقيقة، واكتشاف أسرار العمل الاجتماعي والسياسي والحقوقي...، علماً أن اللواتي تفوقن في هذه المجالات وفي أخرى وساهمن بقوة في رقي النوع البشري والتغلب على مشاكله هن جزء أو نسبة ضعيفة من ذلك الكم الهائل من الطاقات النسائية التي عطلت وأغلق عليهن باب التاريخ والعلم والعمل، فكيف كان سيكون الواقع الحالي لو فتحت الأبواب وأشرعت في وجه النساء كلهن، لو منحت الفرصة لكل النساء، وإن كانت هذه الأبواب قد ظلت مغلقة بأشكال ـ ربما ـ أقل حدّة في وجه الرجال، لكن الهوة بين حجم ومستوى معاناة الجانبين وتضرر الجانبين، وكم هدر طاقة الجانبين من نفس هذا الإجراء الذكوري لا يمكن أبدا مقارنته على نفس سلم القياس.
وإن تفوق وإبداع وعطاء المرأة في المجالات التي ذكرت والتي يشهد لها بذلك التاريخ، وإن كان التاريخ المدون يمر بها (الإنجازات) مرورا سريعا محتشما، إذا لم يلغها ويحجبها بشكل تام، يثبت (التفوق) أن كل النعوت والأوصاف والأفكار والمعتقدات التي كرست عبر التاريخ ضد المرأة، (من نعوت وأفكار) تصفها بالنقص والضعف والمراتب المنحطة...، ما هي إلا من تلفيق وإنتاج القوى المجتمعية المستغلة الرجعية وأيديولوجيتها التي سادت وسيطرت طيلة مراحل تاريخية عديدة بالمجتمعات الطبقية المتعاقبة عبر التاريخ، كرست عبر مؤسسات المجتمع، وليس من طبيعتها وجوهرها، لتسهيل وتمكين استغلال المرأة وإبقائها في وضع الخضوع والتملك والتعب المنتج لصالح المالكين المتأثرين بالخيرات المنتجة بسواعد الكداح وعلى رأسهم المرأة، التي حولت إلى ملكية تباع وتشترى تؤخذ وتعطى دون أن يسمح لها بإبداء رأيها والتعبير عن قرارها، بل أنها كانت ولمراحل تاريخية معينة تعد في مراتب الأشياء ليس أكثر.

يتبع ...




(1): تعبها تضحيتها تربيتها للأجيال على النضال ولم يظهروا منها إلا الجوانب التي شاؤوا وصمها بالسوء رغم أنها ليست كذلك، وأخرى تمثل الجانب السلبي في شخصية المرأة لكنها ليست من طبيعتها بل من صنع المجتمع فيها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق