في : 11 دجنبر
2015
سعيدة المنبهي
... غصن أصيل من شجرة كفاح متواصل
المجد الخالد لك
يا سعيدة .. و منكن الوفاء يا بنات شعب سعيدة.
أهدي هذه الكلمات الحمراء إليكن أيتها:
المناضلات الشهيدات ... سعيدة، زبيدة، فدوى، سناء، دلال
... إلى كل الأسماء التي وشمت وجودها في التاريخ بالدم و الألم ... أمهات و بنات،
اللائي جعلن من دمائهن و دموعهن مجاري و جداول تعبرها أشعة الشمس و خيوط الأمل إلى
أكواخ الكادحين.
إلى النساء الكادحات اللواتي يكتبن بعرقهن و أظافرهن و
أصواتهن الحارقة كلمة التحرر على جدران السجون و المعامل و الضيعات و ساحات
الجامعات و الشوارع .. معلنات: تسقط قلاع الرجعية ... و لتشيد قلاع الحرية.
إلى كل أم شهيد(ة)، أم معتقل(ة) .. إلى كل أم أرضعت
وليدها حليب العصيان و التمرد وزرعت قلبها بذرة لتزهر شجرة الحياة و الثورة و الحب
في الأرض .
معذرة يا بنات شعبي ...
معذرة سعيدة .. شهيدة قضية شعبي ..
إنني أشعر بالخجل و الرهبة كباقي نساء هذا الوطن المسجون
.. و أنا أتناول قلم رصاص متواضع لأتنفس رائحة عطر آتية من باقة أقحوانات ـ شهيدات
، و أضع مشموم أزهار على قبورهن الطاهرة .. شامخات في عالم التضحية و العطاء من
أجل الحرية، داستهن القدم الوحشية بلا أدنى تردد، زهرة زهرة، وردة وردة، شهيدة تلو
شهيدة ..
و أنا أكتب الآن، أخجل من نفسي مثل الكثير من بنات شعبي،
و ترتبك أفكاري و أتلعثم في الكلام .. و أنا أمام تضحيات خالدة و مؤثرة في التاريخ
عنوانها صمود و تحدي في وجه ماكينة القمع و القتل التي لا ترحم .
قررت أن أخلد هذا اليوم الموافق للذكرى السنوية ال 38 لاستشهاد
سعيدة المنبهي ، أخلده في كنف تاريخ و فكر رفيقة عظيمة شكلت مدرسة ثورية لكل
الأجيال و الأجناس في المغرب و العالم ...
المناضلة الماركسية اللينينية الشهيدة سعيدة المنبهي ..
التي ستظل سؤالا قاسيا و جوابا مزعجا في آن واحد، يوجه لكل من خانها و هي تقاوم
الزنزانة .. و هي تستشهد .. و هي في قبرها .. ستظل صرخة كونية للمقاومة في وجه
السجون و سجانيها، في غياهب المخافر و مراكز الاعتقال و التعذيب و جلاديها، في وجه
الرجعية و أزلامها، في وجه البؤس الإنساني و القمع و الاستيلاب، في وجه الدعارة
البشرية و السياسية و الحريصين على دوامها و المستفدين من ريعها .. سعيدة التي ليست
في حاجة إلى عبارات نوستالجيا و المدح أو إلى مرثيات تنشد فوق قبرها من طرف تجار
المخدرات المعنوية و حاملي مفاتيح سجون الوطن الممتدة على عرض و طول البلاد .
أستحضر سعيدة المنبهي ، كونها تعد النموذج الأمثل للمرأة
المغربية المناضلة، نموذج امرأة يقتدى بها، من حيث فكرها، مبادئها ، و مواقفها،
تجربتها الحياتية كإنسانة ، وكمناضلة في تجربة سياسية كفاحية و أصيلة عكست فكرا و
ممارسة طموح الشعب المغربي في الخلاص الحقيقي من سلطة الاستعمار و عملائه، سعيدة كامرأة
مغربية صلبة جمعت بين العلم و السياسة و الشعر و السجن و النضال و التضحية إخلاصا لفكر العمال و الفلاحين الفقراء حتى استشهدت في إضراب عن الطعام بطولي
داخل الزنزانة لكي لا يكون السجن غدا .
سعيدة قضية و علامة إصرار بارزة في مسيرة كفاح بنات و
أبناء شعبنا، علمتنا أن الحب هوية و ليس وصالا، و علمتنا في عشقها كيف يكون الحب
طريقا إلى قلب الوطن، وكيف تزهر الورود في مواسم الإعصار و الرصاص ..
باختصار سعيدة قبضة حب و غضب، وغصن مشرق من شجرة الكفاح
المتواصل، ومن أبجديات الوفاء لها كقضية هو الرجوع دوما إلى فكرها و تصورها و
حلمها الممتد في الأفق دائما كبوتقة حية تسلحنا بالأمل و تشحذ هممنا و تساعدنا على
معرفة طريق النصر الحقيقي المعبد بدمها و
دم رفيقاتها و رفاقها، ... سعيدة و غيرها من الشهيدات و الشهداء ليس ملجأ عندما
نصاب بالتقاعس و يصيبنا العجز نلوذ إليه، بل منجما نبحث فيها باستمرار وتيقظ دائم
على البذور الحية التي من شأنها أن تساهم في عملية البناء و التقدم إلى
الأمام.
سعيدة.. الشاعرة .. قصيدة المستقبل هي وطن الرفض والتمرد
أتعلمن يا بنات جيلي ..
أن سعيدة كتبت
الشعر بأظافرها على حائط الزنزانة بالسجن المدني بالدار البيضاء سنة 1976، كتبت
قصائد شعرية رائعة ولم تكن تفكر في أضواء الشهرة و لا في المخبرين و جواسيس اللغة.
الشعب هو القصيدة الوحيدة والعظيمة حين يعبر عن فرحه أو
غضبه وحين يلبي نداء الحياة.
أتعلمن أيضا أن سعيدة كانت من داخل السجن مرتبطة بقضية
شعبها كارتباط الرضيع بثدي أمه، وكانت مؤرخة للمحن العادية و غير العادية، و كانت
تفتح قلبها على مصراعيه للنساء السجينات، للأطفال الموشومين بالفاجعة، للنساء
الثكالى اللواتي جردهن الاستغلال و القهر من أثداء العطاء، كانت تكتب لرفيق العمر المفصول عنها بمسافات الأسوار والحراس، وللطيور المرحلة من قلعة منفى إلى قلعة منفى على
طول و عرض الخريطة السجنية بالبلاد.
أتعلمن أن سعيدة
كانت تعتبر القصيدة رئتها الثالثة التي تستنشق بها رائحة الحرية، و تربطها
برحم الثورة، بصراعات الطبقات. و هكذا بدأت القصيدة تتحول من لحظة غنائية إلى
عملية كشف و تطوير، ووحدت القصيدة بالمشروع التي أدى بها إلى غياهب المعتقلات
السرية و العلنية ووصولا إلى قبر الخلود.
وهكذا أصبحت سعيدة شاعرة لأنها اكتشفت سر إنسانيتها و
كفاحها كامرأة ومناضلة، لأنها اكتشفت
تجربتها الإنسانية .
و في 1977/ 12/11، جاء الموت فقابلته سعيدة ببسمة
الواثقة من نفسها و على فراشها الأخير، خرجت للحظة من غيبوبتها العميقة لتكتب
بالدم كلمتين بسيطتين ، كلمتين رقيقتين حادتين في آن معا، لهما طعم الرصاصة و
القبلة.
كتبت سعيدة : " ســأموت مناضــلة " ، ثم دخلت
من جديد غيبوبتها اليقظة النهائية لتلتحق بمشموم أزهار حمراء شهداء الحرية و
الثورة.
سعيدة المناضلة .. التي سجلت مواقف مشرفة تليق بها
كثورية .. وهي في غرف التعذيب والسجن .. وفي قاعات المحاكم .. دون ان تخون رفاقها
في أقسى الظروف وأحلكها.
اسم سعيدة مرادف حقيقي لكلمة الصمود .. بهذه الكلمة
نختصر كل معركتها .. ما أكبر هذه الكلمة وما أكبر الفارق بينها وبين نقيضها.
يا بنات شعبي،
مثل هذه المرأة ـ المدرسة، يجب أن نلتحق بقاعة حجراتها، وندرس فكرها، و
نقتدي بمسارها النضالي و السياسي، وندافع عن أهداف الثورة التي أفدتها سعيدة
بحياتها، لا أن نقتدي بكل من يدعو إلى التغني و التبرج و نشر كل أشكال الميوعة و
التفسخ التي تكرسها الصالونات البرجوازية، بل علينا أن نقتدي بمن كرست حياتها
للنضال في سبيل الحق المقدس لبنات و أبناء الشعب في التعليم، في الصحة، في الشغل و
العيش الكريم .
صراحة، يخجلني حال بنات شعبي كثيرا، و أنا أنطق بهذا الاسم
ـ سعيدة المنبهي و غيرها ـ ما دمن لم تستطعن أن تقدمن شيئا غير الكلمات كيفما كان
صدقها و دويها في أعماقهن، فلنبحث عن وسيلة أكثر وفاءا و التزاما بواقع و طموحات
المرأة المضطهدة، لكي نستطيع أن ننطق من جديد جهرا كلنا بهذا الاسم و الأسماء ،
ورؤوسنا مرفوعة أكثر من الراهن .
ش. مناضلة قاعدية ظهر المهراز فاس

0 التعليقات:
إرسال تعليق